ألا يا رياض الحزن من أبرق الحمى * نسيمك مسروق ووصفك منتحل
حكيت أبا سعد ، فنشرك نشره * ولكن له صدق الهوى ، ولك الملل
ونوع آخر ، وهو أن يدّعي في الصفة الثانية للشيء أنه إنما كان لعلّة يضعها الشاعر ويختلقها ، إمّا لأمر يرجع إلى تعظيم الممدوح ، أو تعظيم أمر من الأمور ، فمن الغريب في ذلك معنى بيت فارسيّ ترجمته " 1 " : [ من البسيط ]
لو لم تكن نيّة الجوزاء خدمته * لما رأيت عليها عقد منتطق
فهذا ليس من جنس ما مضى ، أعني ما أصله التشبيه ، ثم أريد التناهي في المبالغة والإغراق والإغراب .
ويدخل في هذا الفن قول المتنبي " 2 " : [ من الكامل ]
لم تحك نائلك السّحاب ، وإنّما * حمّت به فصبيبها الرّحضاء
لأنه وإن كان أصله التشبيه ، من حيث يشبّه الجواد بالغيث ، فإنه وضع المعنى وضعا وصوّره في صورة خرج معها إلى ما لا أصل له في التشبيه ، فهو كالواقع بين الضربين . وقريب منه في أن أصله التشبيه ثم باعده بالصنعة في تشبيهه وخلع عنه صورته خلعا ، قوله : [ من الوافر ]
وما ريح الرّياض لها ، ولكن * كساها دفنهم في الترب طيبا
ومن لطيف هذا النوع قول أبي العباس الضبّي : [ من الكامل ]
لا تركننّ إلى الفرا * ق وإن سكنت إلى العناق
فالشمس عند غروبها * تصفرّ من فرق الفراق
ادّعى لتعظيم شأن الفراق أنّ ما يرى من الصفرة في الشمس حين يرقّ نورها بدنوّها من الأرض ، إنما هو لأنها تفارق الأفق الذي كانت فيه ، أو الناس الذين طلعت عليهم وأنست بهم وأنسوا بها وسرّتهم رؤيتها .
ونوع منه قول الآخر : [ من الوافر ]
قضيب الكرم نقطعه فيبكي * ولا تبكي وقد قطع الحبيب
هامش
( 1 ) البيت في الإيضاح ص 324 تحقيق د . عبد الحميد هنداوي . والجوزاء : برج في السماء ، العقد :
ما يلبس في العنق ، والمنتطق : لابس النطاق .
( 2 ) البيت للمتنبي في ديوانه ، وفي الإيضاح ص 322 تحقيق د . عبد الحميد هنداوي . والرحضاء :
عرق الحمى .