تخطي إلى المحتوى الرئيسي

أسرار البلاغة في علم البيان ( دار الكتب العلمية ) — صفحة 199

مساهمون:

ص١٩٩
فلهذا يجفّ بعد اخضرار * قبل روض الوهاد روض الرّوابي
وكذا قوله يذكر أنّ الممدوح قد زاده ، مع بعده عنه وغيبته ، في العطايا على الحاضرين عنده اللّازمين خدمته " 1 " : [ من الخفيف ]
لزموا مركز النّدى وذراه * وعدتنا عن مثل ذاك العوادي غير أنّ الرّبى إلى سبل الأن * واء أدنى ، والحظّ حظّ الوهاد
لم يقصد من الربى هاهنا إلى العلوّ ، ولكن إلى الدنوّ فقط ، وكذلك لم يرد بذكر الوهاد الضّعة والتّسفّل والهبوط ، كما أشار إليه في قوله : والسّيل حرب للمكان العالي " 2 " وإنما أراد أن الوهاد ليس لها قرب الرّبى من فيض الأنواء ، ثم إنها تتجاوز الرّبى التي هي دانية قريبة إليها ، إلى الوهاد التي ليس لها ذلك القرب . ومن هذا النّمط ، في أنه تخييل شبية بالحقيقة لاعتدال أمره ، وأنّ ما تعلّق به من العلّة موجود على ظاهر ما ادّعى ، قوله " 3 " : [ من البسيط ]
ليس الحجاب بمقص عنك لي أملا * إنّ السماء ترجّى حين تحتجب
فاستتار السماء بالغيم هو سبب رجاء الغيث الذي يعدّ في مجرى العادة جودا منها ونعمة ، صادرة عنها ، كما قال ابن المعتز " 4 " : [ من الخفيف ]
ما ترى نعمة السماء على الأر * ض وشكر الرّياض للأمطار
وهذا نوع آخر ، وهو دعواهم في الوصف هو خلقة في الشيء وطبيعة ، أو واجب على الجملة ، من حيث هو أنّ ذلك الوصف حصل له من الممدوح ومنه استفاده . وأصل هذا التشبيه ، ثم يتزايد فيبلغ هذا الحدّ ، ولهم فيه عبارات منها قولهم : " إن الشمس تستعير منه النور وتستفيد ، أو تتعلّم منه الإشراق وتكتسب منه الإضاءة " . وألطف ذلك أن قال : " تسرق " ، و " أن نورها مسروق من الممدوح " . وكذلك يقال : " المسك يسرق من عرفه ، وأنّ طيبه مسترق منه ومن أخلاقه " ، قال ابن بابك : [ من الطويل ]
هامش
( 1 ) البيتان لأبي تمام في ديوانه . ( 2 ) سبق تخريجه في أول القسم التخييلي . ( 3 ) البيت لأبي تمام في ديوانه . ( 4 ) البيت لابن المعتز في ديوانه .
أسرار البلاغة في علم البيان ( دار الكتب العلمية ) — صفحة 199 | عبد الحميد هنداوي / عبد القاهر الجرجاني