تخطي إلى المحتوى الرئيسي

أسرار البلاغة في علم البيان ( دار الكتب العلمية ) — صفحة 203

مساهمون:

ص٢٠٣
وقال ابن بابك : [ من الوافر ]
فترت وما وجدت أبا العلاء * سوى فرط التوقّد والذّكاء
ولكشاجم ، يقوله في علي بن سليمان الأخفش : [ من الرمل ]
ولقد أخطأ قوم زعموا * أنها من فضل برد في العصب هو ذاك الذّهن أذكى ناره * والمزاج المفرط الحرّ التهب
ولا يكون قول المتنبي " 1 " : [ من الكامل ]
ومنازل الحمّى الجسوم ، فقل لنا : * ما عذرها في تركها خيراتها أعجبتها شرفا فطال وقوفها * لتأمّل الأعضاء لا لأذاتها
من هذا في شيء ، بأكثر من أن كلا القولين في ذكر الحمّى ، وفي تطييب النفس عنها ، فهو اشتراك في الغرض والجنس ، فأما في عمود المعنى وصورته الخاصة فلا ، لأن المتنبي لم ينكر أنه ما يجده الممدوح حمّى كما أنكره الآخر ، ولكنّه كأنه سأل نفسه : كيف اجترأت الحمّى على الممدوح ، مع جلالته وهيبته ، أم كيف جاز أن يقصد شيء إلى أذاه مع كرمه ونبله ، وأن المحبّة من النفوس مقصورة عليه ؟ فتحمّل لذلك جوابا ، ووضع للحمّى فيما فعلته من الأذى عذرا ، وهو تصريح ما اقتصر فيه على التعجّب في قوله " 2 " : [ من الوافر ]
أيدري ما أرابك من يريب * وهل ترقى إلى الفلك الخطوب ؟ وجسمك فوق همّة كلّ داء * فقرب أقلّها منه عجيب !
إلا أن ذلك الإيهام أحسن من هذا البيان ، وذلك التعجّب موقوفا غير مجاب ، أولى بالإعجاب ، وليس كل زيادة تفلح ، وكل استقصاء يملح . ومن واضح هذا النوع وجيّده قول ابن المعتزّ : [ من الكامل ]
صدّت سرير وأزمعت هجري * وصغت ضمائرها إلى الغدر " 3 "
هامش
( 1 ) البيتان للمتنبي في ديوانه ص 232 . والأول منهما في شرح التبيان على ديوان المتنبي 1 / 164 ، ويقال : حمى وحمّة ، والمعنى : يريد أن جسمك خير الأجسام فلا عذر للحمّى في تركه وهو أفضل الأجسام وهي محلها الأجسام . وخيراتها : جمع خيرة وهي : مؤنث خير بمعنى : أفضل ، وضمير خيراتها للجسوم . يقول : أعجبت الحمى لما رأت فيك من خصال الشرف والكرم فأطالت مكثها فيك لتتأمل أعضاءك الحاملة لتلك الخصال لا لأذيتها . ( 2 ) البيتان في ديوانه ص 115 من قصيدة قالها في دمّل أصاب سيف الدولة فما في البيت : للدمّل ، من : لسيف الدولة . أرابك : من الريب الشك فيما يخبئه المستقبل ، والخطوب : الحوادث . وجسمك فوق : أي : فوق قدرة المرض على بلوغه ، فعجيب أن يقترب منك أضعف الأمراض . ( 3 ) في نسخ الديوان التي بأيدينا " شرير " بالمعجمة . ( رشيد ) .