تخطي إلى المحتوى الرئيسي

أسرار البلاغة في علم البيان ( دار الكتب العلمية ) — صفحة 197

مساهمون:

ص١٩٧
ازديادها ، وكالأعيان الجامدة التي لا تنمي ولا تزيد ، ولا تربح ولا تفيد ، وكالحسناء العقيم ، والشجرة الرّائقة لا تمتّع بجنى كريم . هذا ونحوه يمكن أن يتعلّق به في نصرة التخييل وتفضيله ، والعقل بعد على تفضيل القبيل الأول وتقديمه وتفخيم قدره وتعظيمه ، وما كان العقل ناصره ، والتحقيق شاهده ، فهو العزيز جانبه ، المنيع مناكبه ، وقد قيل : " الباطل مخصوم وإن قضي له ، والحقّ مفلج وإن قضي عليه " . هذا ، ومن سلّم أنّ المعاني المعرقة في الصدق ، المستخرجة من معدن الحقّ ، في حكم الجامد الذي لا ينمي ، والمحصور الذي لا يزيد وإن أردت أن تعرف بطلان هذه الدعوى فانظر إلى قول أبي فراس : [ من الوافر ]
وكنّا كالسهام إذا أصابت * مراميها فراميها أصابا " 1 "
ألست تراه عقليّا عريقا في نسبه ، معترفا بقوّة سببه ، وهو على ذلك من فوائد أبي فراس التي هي أبو عذرها " 2 " ، والسابق إلى إثارة سرّها . واعلم أن " الاستعارة " لا تدخل في قبيل " التخييل " ، لأن المستعير لا يقصد إلى إثبات معنى اللفظة المستعارة ، وإنما يعمد إلى إثبات شبه هناك ، فلا يكون مخبره على خلاف خبره . وكيف يعرض الشكّ في أن لا مدخل للاستعارة في هذا الفنّ ، وهي كثيرة في التنزيل على ما لا يخفى ، كقوله عز وجل :
وَاشْتَعَلَ الرَّأْسُ شَيْباً
[ مريم : 4 ] ، ثم لا شبهة في أن ليس المعنى على إثبات الاشتعال ظاهرا ، وإنما المراد إثبات شبهه . وكذلك قول النبي صلّى اللّه عليه وسلّم : " المؤمن مرآة المؤمن " ، ليس على إثباته مرآة من حيث الجسم الصّقيل ، لكن من حيث الشّبه المعقول ، وهو كونها سببا للعلم بما لولاها لم يعلم ، لأن ذلك العلم طريقه الرؤية ، ولا سبيل إلى أن يرى الإنسان وجهه إلا بالمرآة وما جرى مجراها من الأجسام الصّقيلة ، فقد جمع بين المؤمن والمرآة في صفة معقولة ، وهي أن المؤمن ينصح أخاه ويريه الحسن من القبيح ، كما تري المرآة الناظر فيها ما يكون بوجهه من الحسن وخلافه . وكذا قوله صلّى اللّه عليه وسلّم : " إياكم وخضراء الدّمن " ، معلوم أن ليس القصد إثبات معنى ظاهر اللفظين ، ولكن الشّبه الحاصل من مجموعهما ، وذلك حسن الظاهر مع خبث الأصل .
هامش
( 1 ) البيت لأبي فراس في ديوانه . ( 2 ) يقال فلان أبو عذر فلانة إذا كان افترعها واقتضها ، وقولهم : ما أنت بذي عذر هذا الكلام ، أي : لست بأول من اقتضه . [ اللسان : عذر ] .
أسرار البلاغة في علم البيان ( دار الكتب العلمية ) — صفحة 197 | عبد الحميد هنداوي / عبد القاهر الجرجاني