تخطي إلى المحتوى الرئيسي

أسرار البلاغة في علم البيان ( دار الكتب العلمية ) — صفحة 201

مساهمون:

ص٢٠١
وهو منسوب إلى إنشاد الشّبلي ، ويقال أيضا أن أبا العباس أخذ معناه في بيته من قول بعض الصّوفية وقيل له : " لم تصفرّ الشمس عند الغروب ؟ فقال من حذر الفراق " . ومن لطيف هذا الجنس قول الصّولي : [ من الكامل ]
الرّيح تحسدني علي * ك ، ولم أخلها في العدا لمّا هممت بقبلة * ردت على الوجه الرّدا
وذلك أن الريح إذا كان وجهها نحو الوجه ، فواجب في طباعها أن تردّ الرداء عليه ، وأن تلفّ من طرفيه ، وقد ادّعى أن ذلك منها لحسد بها وغيرة على المحبوبة ، وهي من أجل ما في نفسها تحول بينه وبين أن ينال من وجهها . وفي هذه الطريقة قوله " 1 " : [ من المتقارب ]
وحاربني فيه ريب الزّمان * كأنّ الزّمان له عاشق
إلّا أنه لم يضع علّة ومعلولا من طريق النصّ على شيء ، بل أثبت محاربة من الزمان في معنى الحبيب ، ثم جعل دليلا على علّتها جواز أن يكون شريكا له في عشقه . وإذا حقّقنا لم يجب لأجل أن جعل العشق علّة للمحاربة ، وجمع بين الزمان والريح ، في ادعاء العداوة لهما أن يتناسب البيتان من طريق الخصوص والتفصيل . وذاك أن الكلام في وضع الشاعر للأمر الواجب علّة غير معقول كونها علّة لذلك الأمر . وكون العشق علّة للمعاداة في المحبوب معقول معروف غير بدع ولا منكر . فإذا بدأ فادّعى أن الزمان يعاديه ويحاربه فيه ، فقد أعطاك أنّ ذلك لمثل هذه العلّة وليس إذا ردّت الريح الرّداء ، فقد وجب أن يكون ذلك لعلّة الحسد أو لغيرها ، لأن ردّ الرداء شأنها ، فاعرفه ، فإن من شأن حكم المحصّل أن لا ينظر في تلاقي المعاني وتناظرها إلى جمل الأمور ، وإلى الإطلاق والعموم ، بل ينبغي أن يدقّق النظر في ذلك ، ويراعى التناسب من طريق الخصوص والتفاصيل . فأنت في نحو بيت ابن وهيب تدّعى صفة غير ثابتة ، وهي إذا ثبتت اقتضت مثل العلّة التي ذكرها ، وفي نحو بيت الريح ، تذكر صفة غير ثابتة حاصلة على الحقيقة ، ثم تدّعي لها علة من عند نفسك وضعا واختراعا ، فافهمه .
هامش
( 1 ) البيت لمحمد بن وهيب في الأغاني 19 / 84 . وقبله :إذا ما سموت إلى وصله * تعرض لي دونه عائق
أسرار البلاغة في علم البيان ( دار الكتب العلمية ) — صفحة 201 | عبد الحميد هنداوي / عبد القاهر الجرجاني