تخطي إلى المحتوى الرئيسي

أسرار البلاغة في علم البيان ( دار الكتب العلمية ) — صفحة 202

مساهمون:

ص٢٠٢
وهكذا قول المتنبي " 1 " : [ من الطويل ]
ملامي النّوى في ظلمها غاية الظّلم * لعلّ بها مثل الّذي بي من السّقم فلو لم تغر لم تزو عنّي لقاءكم * ولو لم تردكم لم تكن فيكم خصمي
الدعوى في إثبات الخصومة ، وجعل النّوى كالشئ الذي يعقل ويميّز ويريد ويختار ، وحديث الغيرة والمشاركة في هوى الحبيب ، يثبت بثبوت ذلك من غير أن يفتقر منك إلى وضع واختراع . ومما يلحق بالفنّ الذي بدأت به قوله : [ من الطويل ]
بنفسي ما يشكوه من راح طرفه * ونرجسه ممّا دهى حسنه ورد أراقت دمي عمدا محاسن وجهه * فأضحى وفي عينيه آثاره تبدو
لأنه قد أتى لحمرة العين وهي عارض يعرض لها من حيث هي عين بعلّة يعلم أنها مخترعة موضوعة ، فليس ثمّ إراقة دم . وأصل هذا قول ابن المعتزّ : [ من المنسرح ]
قالوا اشتكت عينه فقلت لهم * من كثرة القتل نالها الوصب حمرتها من دماء من قتلت * والدّم في النّصل شاهد عجب
وبين هذا الجنس وبين نحو : " الرّيح تحسدني " ، فرق ، وذلك أن لك هناك فعلا هو ثابت واجب في الريح ، وهو ردّ الرداء على الوجه ، ثم أحببت أن تتطرّف ، فادّعيت لذلك الفعل علّة من عند نفسك . وأما هاهنا فنظرت إلى صفة موجودة ، فتأوّلت فيها أنها صارت إلى العين من غيرها ، وليست هي التي من شأنها أن تكون في العين ، فليس معك هنا إلا معنى واحد ، وأما هناك فمعك معنيان : أحدهما موجود معلوم ، والآخر مدّعى موهوم ، فاعرفه . وممّا يشبه هذا الفنّ الذي هو تأوّل في الصفة فقط ، من غير أن يكون معلول وعلّة ، ما تراه من تأوّلهم في الأمراض والحمّيات أنها ليست بأمراض ، ولكنها فطن ثاقبة وأذهان متوقّدة وعزمات ، كقوله " 2 " : [ من الطويل ]
وحوشيت أن تضرى بجسمك علّة * ألا إنّها تلك العزوم الثّواقب
هامش
( 1 ) البيتان للمتنبي في ديوانه ص 124 . ( 2 ) البيت لأبي إبراهيم بن أحمد الشاشي العامري قاله في مرض أصاب الصاحب بن عباد . يتيمة الدهر 3 / 351 ، 352 ( شاكر ) والعزوم : الناقة المسنّة وفيها بقية شباب . وقيل : الهرمة الدّلقم التي أكلت أسنانها من الكبر ، والجمع عوازم .