تخطي إلى المحتوى الرئيسي

أسرار البلاغة في علم البيان ( دار الكتب العلمية ) — صفحة 191

مساهمون:

ص١٩١
في كل لسان ولغة ، وأعلى مناسبة وأنورها ، وأجلّها وأفخرها ، قول اللّه تعالى :
إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِنْدَ اللَّهِ أَتْقاكُمْ
[ الحجرات : 13 ] ، وقول النبي صلّى اللّه عليه وسلّم : " من أبطأ به عمله لم يسرع به نسبه " ، وقوله عليه السلام : " يا بني هاشم ، لا تجيئني الناس بالأعمال وتجيئوني بالأنساب " . وذلك أنه لو كانت القضيّة على ظاهر يغترّ به الجاهل ، ويعتمده المنقوص ، لأدّى ذلك إلى إبطال النّسب أيضا ، وإحالة التكثّر به ، والرجوع إلى شرفه ، فإن الأوّل لو عدم الفضائل المكتسبة ، والمساعي الشريفة ، ولم يبن من أهل زمانه بأفعال تؤثر ، ومناقب تدوّن وتسطّر ، لما كان أوّلا ، ولكان المعلم من أمره مجهلا ، ولما تصوّر افتخار الثاني بالانتماء إليه ، وتعويله في المفاضلة عليه ، ولكان لا يتصوّر فرق بين أن يقول : " هذا أبي ، ومنه نسبي " ، وبين أن ينسب إلى الطين ، الذي هو أصل الخلق أجمعين ، ولذلك قال صلّى اللّه عليه وسلّم : " كلّكم لآدم ، وآدم من التراب " ، وقال محمد بن الربيع الموصلي " 1 " : [ من البسيط ]
الناس في صورة التّشبيه أكفاء * أبوهم آدم والأمّ حوّاء فإن يكن لهم في أصلها شرف * يفاخرون به فالطّين والماء ما الفضل إلا لأهل العلم إنهم * على الهدى لمن استهدى أدلّاء ووزن كل امرئ ما كان يحسنه * والجاهلون لأهل العلم أعداء
فهذا كما ترى باب من المعاني التي تجمع فيها النظائر ، وتذكر الأبيات الدالّة عليها ، فإنها تتلاقى وتتناظر ، وتتشابه وتتشاكل ، ومكانه من العقل ما ظهر لك واستبان ، ووضح واستنار . وكذلك قوله : [ من الطويل ] وكل امرئ يولي الجميل محبّب صريح معنى ليس للشعر في جوهره وذاته نصيب ، وإنما له ما يلبسه من اللفظ ، ويكسوه من العبارة ، وكيفية التأدية من الاختصار وخلافه ، والكشف أو ضدّه ، وأصله قول النبي صلّى اللّه عليه وسلّم : " جبلت القلوب على حبّ من أحسن إليها " " 2 " ، بل قول اللّه عز
هامش
( 1 ) الأبيات في ديوان الإمام علي بن أبي طالب ، وهي من أوائل الأبيات في أول قصيدة في الديوان فانظره . ومنها أيضا :نقم بعلم ولا تطلب به بدلا * فالناس موتى وأهل العلم أحياء( 2 ) من الأحاديث المشهرة على الألسنة بزيادة : " وبعض من أساء إليها " وروي مرفوعا وموقوفا عن ابن مسعود وكلاهما باطل ، وقيل أو الموقوف معروف عن الأعمش . ( رشيد ) .