فصل في الأخذ والسرقة وما في ذلك من التعليل ، وضروب الحقيقة والتخييل
القسم العقلي
اعلم أن الحكم على الشاعر بأنه أخذ من غيره وسرق ، واقتدى بمن تقدّم وسبق ، لا يخلو من أن يكون في المعنى صريحا ، أو في صيغة تتعلق بالعبارة . ويجب أن نتكلم أوّلا على المعاني ، وهي تنقسم أوّلا قسمين : عقليّ وتخييليّ ، وكل واحد منهما يتنوّع . فالذي هو " العقلي " على أنواع :
أوّلها : عقليّ صحيح مجراه في الشعر والكتابة والبيان والخطابة ، مجرى الأدلّة التي تستنبطها العقلاء ، والفوائد التي تثيرها الحكماء ، ولذلك تجد الأكثر من هذا الجنس منتزعا من أحاديث النبي صلّى اللّه عليه وسلّم وكلام الصحابة رضي اللّه عنهم ، ومنقولا من آثار السلف الذين شأنهم الصدق ، وقصدهم الحقّ ، أو ترى له أصلا في الأمثال القديمة والحكم المأثورة عن القدماء ، فقوله : [ من الطويل ]
وما الحسب الموروث لا درّ درّه * بمحتسب إلّا بآخر مكتسب " 1 "
ونظائره ، كقوله : [ من الطويل ]
إنّي وإن كنت ابن سيّد عامر * وفي السّرّ منها والصّريح المهذّب
لما سوّدتني عامر عن وراثة * أبى اللّه أن أسمو بأمّ ولا أب " 2 "
معنى صريح محض يشهد له العقل بالصحة ، ويعطيه من نفسه أكرم النّسبة ، وتتفق العقلاء على الأخذ به ، والحكم بموجبه ، في كل جيل وأمّة ، ويوجد له أصل
هامش
( 1 ) البيت لابن الرومي . يقول ابن الأعرابي : الدّرّ العمل من خير أو شرّ ، ومنه قولهم : للّه درّك يكون مدحا ويكون ذما . . . ، وقالوا : للّه درك أي : للّه عملك ، ويقال : هذا لمن يمدح ويتعجب من عمله ، فإذا ذمّ عمله قيل : لا درّ درّه .
( 2 ) البيتان من ديوان عامر بن الطفيل . انظر الكامل بتحقيق الدكتور عبد الحميد هنداوي ، وفي الحيوان 2 / 95 ، وخزانة الأدب 8 / 343 ، 344 ، 345 ، 348 ، وشرح شواهد الشافية ص 404 ، وشرح شواهد المغني ص 953 ، وشرح المفصل 10 / 101 ، والشعر والشعراء ص 343 ، ولسان العرب ، والمقاصد النحوية 1 / 242 ، والخصائص 2 / 342 ، وشرح الأشموني 1 / 45 ، وشرح شافية ابن الحاجب 3 / 183 ، والمحتسب 1 / 127 ، ومغني اللبيب ص 677 . والبيت بعدهما :ولكنني أحمي حماها وأتقي * أذاها وأرمي من رماها بمقنبوفي السر منها : من سرّ الوادي وهو أكرم موضع فيه ، يريد أنه في أكرم موضع من نسبها ، والصريح :
الخالص من كل شيء والمهذب : النقيّ من العيوب .