تخطي إلى المحتوى الرئيسي

أسرار البلاغة في علم البيان ( دار الكتب العلمية ) — صفحة 188

مساهمون:

ص١٨٨
على الانفراد ، لأن الدّمامة لا تعطيه صفة الظّرف من حيث هي دمامة ، ما لم يتقدم شيء يشبه ما في الظرف من الكلام الحسن أو الخلق الجميل ، أو سائر المعاني التي تجعل الأشخاص أوعية لها . فمن حقك : أن تحافظ على هذا الأصل ، وهو أن الشّبه إذا كان موجودا في الشيء على الانفراد من غير أن يكون نتيجة بينه وبين شيء آخر فالاسم مستعار لما أخذ له الشّبه منه ، كالنور للعلم والظلمة للجهل ، والشمس للوجه الجميل ، أو الرجل النبيه الجليل . وإذا لم تكن نسبة الشّبه إلى الشيء على الانفراد ، وكان مركّبا من حاله مع غيره ، فليس الاسم بمستعار ، ولكن مجموع الكلام مثل . واعلم أن هذه الأمور التي قصدت البحث عنها أمور كأنّها معروفة مجهولة ، وذلك أنها معروفة على الجملة ، لا ينكر قيامها في نفوس العارفين ذوق الكلام ، والمتمهّرين في فصل جيده من رديئه ، ومجهولة من حيث لم يتفق فيها أوضاع تجري مجرى القوانين التي يرجع إليها ، فتستخرج منها العلل في حسن ما استحسن وقبح ما استهجن ، حتى تعلم علم اليقين غير الموهوم ، وتضبط ضبط المزموم المخطوم . ولعلّ الملال إن عرض لك ، أو النشاط إن فتر عنك ، قلت : " ما الحاجة إلى كل هذه الإطالة ؟ وإنما يكفي أن يقال : الاستعارة مثل كذا ، فتعدّ كلمات ، وتنشد أبيات ، وهكذا يكفينا المئونة في التشبيه والتمثيل يسير من القول " . فإنك تعلم أن قائلا لو قال : " الخبر مثل قولنا : زيد منطلق " ، ورضي به وقنع ، ولم تطالبه نفسه بأن يعرف حدّا للخبر ، إذا عرفه تميّز في نفسه من سائر الكلام ، حتى يمكنه أن يعلم هاهنا كلاما لفظه لفظ الخبر ، وليس هو بخبر ، ولكنه دعاء كقولنا : " رحمة اللّه عليه " و " غفر اللّه له " ولم يجد في نفسه طلبا لأن يعرف أن الخبر هل ينقسم أو لا ينقسم ، وأنّ أوّل أمره في القسمة أنه ينقسم إلى جملة من الفعل والفاعل ، وجملة من مبتدأ وخبر ، وأنّ ما عدا هذا من الكلام لا يأتلف . نعم ، ولم يحبّ أن يعلم أن هذه الجملة يدخل عليها حروف بعضها يؤكّد كونها خبرا ، وبعضها يحدث فيها معاني تخرج بها عن الخبرية واحتمال الصدق والكذب . وهكذا يقول إذا قيل له : " الاسم مثل زيد وعمرو " ، اكتفيت ولا أحتاج إلى وصف أو حدّ يميّزه من الفعل والحرف أو حدّ لهما ، إذا عرفتهما عرفت أن ما خالفهما هو الاسم ، على طريقة الكتّاب ، ويقول : " لا أحتاج إلى أن أعرف أنّ الاسم