تخطي إلى المحتوى الرئيسي

أسرار البلاغة في علم البيان ( دار الكتب العلمية ) — صفحة 193

مساهمون:

ص١٩٣
ولا يحاط به تقسيما وتبويبا . ثم إنه يجيء طبقات ، ويأتي على درجات ، فمنه ما يجيء مصنوعا قد تلطّف فيه ، واستعين عليه بالرفق والحذق ، حتى أعطي شبها من الحقّ ، وغشي رونقا من الصّدق ، باحتجاج تمحّل ، وقياس تصنّع فيه وتعمّل ، ومثاله قول أبي تمام : [ من الكامل ]
لا تنكري عطل الكريم من الغنى * فالسّيل حرب للمكان العالي " 1 "
فهذا قد خيّل إلى السامع أن الكريم إذا كان موصوفا بالعلوّ ، والرّفعة في قدره ، وكان الغنى كالغيث في حاجة الخلق إليه وعظم نفعه ، وجب بالقياس أن يزلّ عن الكريم ، زليل السّيل عن الطّود العظيم . ومعلوم أنه قياس تخييل وإيهام ، لا تحصيل وإحكام ، فالعلّة في أن السيل لا يستقرّ على الأمكنة العالية ، أن الماء سيّال لا يثبت إلا إذا حصل في موضع له جوانب تدفعه عن الانصباب ، وتمنعه عن الانسياب ، وليس في الكريم والمال ، شيء من هذه الخلال . وأقوى من هذا في أن يظنّ حقّا وصدقا ، وهو على التخيّل قوله : [ من البسيط ]
الشيب كره ، وكره أن يفارقني * أعجب بشيء على البغضاء مودود " 2 "
هو من حيث الظاهر صدق وحقيقة ، لأن الإنسان لا يعجبه أن يدركه الشيب ، فإذا هو أدركه كره أن يفارقه ، فتراه لذلك ينكره ويتكرّهه على إرادته أن يدوم له ، إلا أنك إذا رجعت إلى التحقيق ، كانت الكراهة والبغضاء لاحقة للشيب على الحقيقة ، فأما كونه مرادا ومودودا ، فمتخيّل فيه ، وليس بالحقّ والصدق ، بل المودود الحياة والبقاء ، إلا أنه لما كانت العادة جارية بأنّ في زوال رؤية الإنسان للشيب ، زواله عن الدنيا وخروجه منها ، وكان العيش فيها محبّبا إلى النفوس ، صارت محبّته لما لا يبقى له حتى يبقى الشيب ، كأنّها محبّة للشيب . ومن ذلك صنيعهم إذا أرادوا تفضيل شيء أو نقصه ، أو مدحه أو ذمّه ، فتعلّقوا ببعض ما يشاركه في أوصاف ليست هي سبب الفضيلة والنقيصة ، وظواهر أمور لا تصحّح ما قصدوه من التهجين والتزيين على الحقيقة ، كما تراه في باب الشيب والشباب ، كقول البحتري : [ من الخفيف ]
هامش
( 1 ) البيت لأبي تمام في ديوانه ، والإيضاح ص 322 ، تحقيق د . عبد الحميد هنداوي . وعطل الكريم : خلوه وفراغه . ( 2 ) البيت لابن المعتز في ديوانه وينسب أيضا لمسلم بن الوليد .