وبياض البازيّ أصدق حسنا * إن تأمّلت من سواد الغراب " 1 "
وليس إذا كان البياض في البازي آنق في العين وأخلق بالحسن من السواد في الغراب ، وجب لذلك أن لا يذمّ الشيب ولا تنفر منه طباع ذوي الألباب ، لأنه ليس الذنب كلّه لتحوّل الصّبغ وتبدّل اللون ، ولا أتت الغواني ما أتت من الصدّ والإعراض لمجرّد البياض ، فإنهن يرينه في قباطيّ مصر فيأنسن ، وفي أنوار الرّوض وأوراق النرجس الغضّ فلا يعبسن ، فما أنكرن ابيضاض شعر الفتى لنفس اللون وذاته ، بل لذهاب بهجاته ، وإدباره في حياته . وإنك لترى الصّفرة الخالصة في أوراق الأشجار المتناثرة عند الخريف وإقبال الشتاء وهبوب الشّمال ، فتكرهها وتنفر منها ، وتراها بعينها في إقبال الربيع في الزّهر المتفتّق ، وفيما ينشئه ويشيه من الديباج المؤنق ، فتجد نفسك على خلاف تلك القضيّة ، وتمتلئ من الأريحيّة ، ذاك لأنك رأيت اللون حيث النماء والزيادة ، والحياة المستفادة ، وحيث أبشرت أرواح الرياحين ، وبشّرت أنواع التحاسين ، ورأيته في الوقت الآخر حين ولّت السعود ، واقشعرّ العود ، وذهبت البشاشة والبشر ، وجاء العبوس والعسر .
هذا ، ولو عدم البازي فضيلة أنه جارح ، وأنه من عتيق الطير ، لم تجد لبياضه الحسن الذي تراه ، ولم يكن للمحتجّ به على من ينكر الشيب ويذمّه ما تراه من الاستظهار ، كما أنه لولا ما يهدي إليك المسك من ريّاه التي تتطلع إلها الأرواح ، وتهشّ لها النفوس وترتاح ، ولضعفت حجّة المتعلق به في تفضيل الشّباب . وكما لم تكن العلّة في كراهة الشيب بياضه ، ولم يكن هو الذي غضّ عنه الأبصار ، ومنحه العيب والإنكار ، كذلك لم يحسن سواد الشعر في العيون لكونه سوادا فقط ، بل لأنك رأيت رونق الشباب ونضارته ، وبهجته وطلاوته ورأيت بريقه وبصيصه يعدانك الإقبال ، ويريانك الاقتبال ، ويحضرانك الثقة بالبقاء ، ويبعدان عنك الخوف من الغناء . وإنّك لترى الرّجل وقد طعن في السنّ وشعره لم يبيضّ ، وشيبه لم ينقضّ ، ولكنه على ذاك قد عدم إبهاجه الذي كان ، وعاد لا يزين كما زان ، وظهر فيه من الكمود والجمود ، ما يريكه غير محمود .
هامش
( 1 ) البيت للبحتري في ديوانه وقبله :عيرتني المشيب وهي بدته * في عذاري بالصد والاجتناب( شاكر ) .