تخطي إلى المحتوى الرئيسي

أسرار البلاغة في علم البيان ( دار الكتب العلمية ) — صفحة 147

مساهمون:

ص١٤٧
استوجبت الفضل والخروج من التشبيه العاميّ ، وأن يقال : " قد زاد زيادة لم يسبق إليها " ، إلا بالتركيب والجمع ، وبأن ترك أن يراعى الحمرة وحدها ؟ . وقال القاضي أبو الحسن رحمه اللّه : " لو اتفق له أن يقول : " احمرار في جوانبه بياض ، لكان قد استوفى الحسن " وذلك لأن خدّ الخجل هكذا ، يحدق البياض فيه بالحمرة لا الحمرة بالبياض ، إلّا أنه لعله وجد الأمر كذلك في الوردة ، فشبّه على طريق العكس فقال : " هذا البياض حوله الحمرة هاهنا ، كالحمرة حولها البياض هناك " . فانظر الآن ، إن فرّقت ، كيف يتفرّق عنك الحسن والإحسان ، ويحضر العيّ ويذهب البيان ؟ لأن تشبيه البياض على الانفراد لا معنى له ، وأما تشبيه الحمرة ، وإن كانت تصحّ على الطريقة الساذجة أعني تشبيه الورد الأحمر بالخد فإنه يفسد من حيث أن القصد إلى جنس من الورد مخصوص ، هو ما فيه بياض تحدق به حمرة ، فيجب أن يكون وصف المشبّه به على هذا الشرط أيضا . وبهذا الاختصاص ولما ذكرت لك ، تجد أحد المشبّهين في الأمر الأعمّ الأكثر وقد ذكر في صلة الآخر ، ولم يعطف عليه كقوله : [ من الكامل ] والشّيب ينهض في الشباب " 1 " و : بياض في جوانبه احمرار وأشباه ذلك . فإن جاءت " الواو " كانت واو حال كقوله : [ من السريع ]
كأنّما المرّيخ والمشتري * قدّامه في شامخ الرفعة " 2 "
وهي إذا كانت حاليّة ، فهي كالصفة في كونها تابعة ، وبحيث لا ينفرد بالذكر ، بل يذكر في ضمن الأول ، وعلى أنه من تبعه وحاشيته . وهكذا الحكم في الطرف الآخر ، ألا ترى قوله : ليل تهاوى كواكبه " فتهاوى كواكبه " ، جملة من الصّفة لليل ، وإذا كان كذلك ، فالكواكب مذكورة على سبيل التّبع لليل ، ولو كانت مستبدّة بشأنها لقلت : " ليل وكواكب " . وكذلك قوله :
هامش
( 1 ) البيت للفرزدق في ديوانه وتمامه :. . . . . . . . . . . . . . . كأنّه * ليل يصيح بجانبيه نهار( 2 ) راجع هامش رقم ( 1 ) ص 146 .
أسرار البلاغة في علم البيان ( دار الكتب العلمية ) — صفحة 147 | عبد الحميد هنداوي / عبد القاهر الجرجاني