لا يكون كقوله " 1 " : [ من البسيط ]
إني رأيتك في نومي تعانقني * كما تعانق لام الكاتب الألفا
فإن هذا قد أدّى إليك شكلا مخصوصا لا يتصوّر في كل واحد من المذكورين على الانفراد بوجه ، وصورة لا تكون مع التفريق وأما المتنبي فأراك الشيئين في مكان واحد وشدّد في القرب بينهما ، وذاك أنه لم يعرض لهيئة العناق ومخالفتها صورة الافتراق ، وإنما عمد إلى المبالغة في فرط النّحول ، واقتصر من بيان حال المعانقة على ذكر الضّمّ مطلقا والأوّل لم يعن بحديث الدقّة والنحول ، وإنما عني بأمر الهيئة التي تحصل في العناق خاصّة ، من انعطاف أحد الشكلين على صاحبه ، والتفاف الحبيب بمحبّه ، كما قال " 2 " : [ من المتقارب ] لفّ الصّبا بقضيب قضيبا وأجاد وأصاب الشبه أحسن إصابة ، لأن خطّي اللام والألف في " لا " ترى رأسيهما في جهتين ، وتراهما قد تماسّا من الوسط ، وهذه هيئة المعتنقين على الأمر بالمعروف ، فأما قصد المتنبي فليس بصفة عناق على الحقيقة ، وإنما هو تضامّ وتلاصق ، وهو بنحو قوله : [ من البسيط ]
ضممته ضمّة عدنا بها جسدا * فلو رأتنا عيون ما خشيناها
أشبه ، لأن القصد في مثله شدّة الالتصاق ، من غير تعريج على هيئة الاعتناق .
وذهب القاضي في بيت المتنبي إلى أنه كأنه معنى مفرد غير مأخوذ من قوله :
كما تعانق لام الكاتب الألفا وقال : " ولئن كان أخذه ، كما يقولون ، فليس عليه معتب ، لأنّ التعب في نقله ليس بأقلّ من التعب في ابتدائه " .
وهذا التفضيل والتفصيل من قول القاضي ليس قادحا في غرضي ، لأنّي أردت أن أريك مثالا في وضع التشبيه على الجمع والتفريق ، وأجعل البيتين معيارا فيما
هامش
( 1 ) البيت مختلف النسبة ، لبكر بن النطاح في الأغاني 19 / 110 ، ولأبي نواس في التشبيهات ، ولأبي بكر الموسوس في العقد الفريد 6 / 173 ، وهو في الأمالي ص 226 .
( 2 ) البيت للبحتري في ديوانه ، وصدره :
ولم أنس ليلتنا في العناق