وضيعته كذا " ، فتفرّق الخبر عنهما كما يجوز في قولك : " زيد وعمرو كريمان " ، أن تقول : " زيد كريم وعمرو كريم " ، وهذا موضع غامض ، وللكلام فيه موضع آخر .
وإن أردت أن تزداد تبيينا ، لأن التشبيه إذا كان معقودا على الجمع دون التفريق ، كان حال أحد الشيئين مع الآخر حال الشّيء في صلة الشيء وتابعا له ومبنيّا عليه ، حتى لا يتصوّر إفراده بالذكر ، فالذي يفضي بك إلى معرفة ذلك أنك تجد في هذا الباب ما إذا فرّق لم يصلح للتشبيه بوجه ، كقوله : [ من السريع ]
كأنّما المرّيخ والمشتري * قدّامه ، في شامخ الرّفعة
منصرف بالليل عن دعوة * قد أسرجت قدّامه شمعه " 1 "
لو قلت : " كأنّ المريخ منصرف بالليل عن دعوة " ، وتركت حديث المشتري والشّمعة ، كان خلفا من القول ، وذاك أن التشبيه لم يكن للمرّيخ من حيث هو نفسه ، ولكن من حيث الحالة الحاصلة له من كون المشتري أمامه . وأنت وإن كنت تقول :
" المشتري شمعة " ، على التشبيه العامي الساذج في قولهم : " كأنّ النّجوم مصابيح وشموع " ، فإنه لم يضع التشبيه على هذا ، وإنما قصد إلى الهيئة التي يكتسبها المرّيخ من كون المشتري أمامه .
وهكذا قول ابن المعتزّ " 2 " : [ من البسيط ]
كأنّه وكأنّ الكأس في فمه * هلال أوّل شهر غاب في شفق
لم يقصد أن يشبه الكأس على الانفراد بالهلال ، والشّفة بالشفق على الاستئناف ، بل أراد أن يشبّه مجموع الصّورتين ، ألا ترى أنك لو فرّقت لم تحل من التشبيه بطائل ، إذ لا معنى لأن تقول : " كأن الشفة شفق " ، وتسكت .
أترى أن قوله " 3 " : [ من الوافر ]
بياض في جوانبه احمرار * كما احمرّت من الخجل الخدود
هامش
( 1 ) البيتان للقاضي التنوخي ، وهما في مفتاح العلوم ص 445 ، تحقيق د . هنداوي ، ونهاية الإيجاز ص 205 ، والإيضاح ص 368 ، ومشكاة المصابيح 1 / 106 تحقيق د . هنداوي . قدّام : نقيض وراء ، أسرجت : أوقدت .
( 2 ) البيت في ديوانه وقبله :ظبي مخلّى من الأحزان أودعني * ما يعلم اللّه من حزن ومن قلق( 3 ) البيت لابن المعتز في ديوانه ص 188 ( طبعة دار صادر ) وهو أحد ثلاثة أبيات وقبله :أتاك الورد محبوبا مصونا * كمعشوق تكنّفه الصدود
كأن بوجهه لما توافت * نجوم في مطالعها سعود