تخطي إلى المحتوى الرئيسي

أسرار البلاغة في علم البيان ( دار الكتب العلمية ) — صفحة 149

مساهمون:

ص١٤٩
والآخر عن " تزييني " المعطوف ، كما يكون نحو بيت بشّار شيئان يمكن في ظاهر اللفظ أن يجعل أحدهما خبرا عن النّقع ، والآخر عن الأسياف ، إلى أن تجيء إلى فساده من جهة المعنى . فأنت في نحو " إني وتزييني " ملجأ إلى جعل " الواو " بمعنى " مع " من كل وجه ، حتى لا تقدر على إخراج الكلام إلى صورة تكون فيها " الواو " عارية من معنى " مع " ، ويكون تشبيها بعد تشبيه . فإن قلت : إنّ في " معلّق " معنى الذات والصفة معا ، فيمكن أن يكون أراد أن يشبّه نفسه بذات الفاعل ، وتزيينه بالفعل نفسه . فإن قلت : إنّ في " معلّق " معنى الذات والصفة معا ، فيمكن أن يكون أراد أن يشبّه نفسه بذات الفاعل ، وتزيينه بالفعل نفسه . أقول : لو أريد إنّي " كمعلّق درّا على خنزير ، وإن تزييني بمدحي معشرا كتعليق درّ على خنزير " ، كان قولا ظاهر السقوط ، لما ذكرت من أنه لا يتصوّر أن يشبّه المتكلم نفسه ، من حيث هو زيد مثلا ، بمعلّق الدرّ على الخنزير من حيث هو عمرو ، وإنما يشبّه الفعل بالفعل ، فاعرفه . فإن قلت : فما تقول في قوله " 1 " : [ من الطويل ]
وحتى حسبت الليل والصبح إذ بدا * حصانين مختالين جونا وأشقرا
فإن ظاهره أنه من جنس المفرّق ؟ . أقول : نعم ، إلا أن ثمّة شيئا كالجمع ، وهو أنّ لاقتران الحصانين الجون والأشقر في الاختيال ضربا من الخصوصية في الهيئة ، لكنه لا يبلغ مبلغ " ليل تهاوى كواكبه " ، ولا مبلغ قوله : [ من الرجز ] والصّبح مثل غرّة في أدهم كما أنّ قوله " 2 " : [ من الكامل ]
دون التّعانق ناحلين كشكلتي * نصب أدقّهما وضمّ الشاكل
هامش
( 1 ) لم أعثر عليه . ( 2 ) البيت في ديوان المتنبي ص 223 ، وفي التبيان للعكبري ص 201 ، من قصيدة يمدح بها القاضي أبا الفضل بن عبد اللّه بن الحسين الأنطاكي وقبله :كم وقفة سجرتك شوقا بعد ما * غري الرقيب بنا وكجّ العاذلوالشاكل الذي يصمّم شكل الكتاب ، وهذا فاعل أدق وضم ، الشكلة : أراد الشكلة التي تكون في الإعراب وهي الفتحة ، وهي من قولهم شكلت الدابة أي : ضبطتها والشكلة تضبط الحروف . و ( المعنى ) : يقول وقفنا دون التعانق قرب بعضنا من بعض ولم نتعانق ، فكأننا لقربنا شكلتان دقيقتان جمع الكاتب بينهما ، وهو تشبيه حسن شبه تقاربهما بتقارب الشكلتين وتحولهما بنحول الشكلة ووصفها مثله لأن بها ما به من الوجد . التبيان للعكبري ص 201 .
أسرار البلاغة في علم البيان ( دار الكتب العلمية ) — صفحة 149 | عبد الحميد هنداوي / عبد القاهر الجرجاني