وإذ قد عرفت هذه التفاصيل ، فاعلم أن ما كان من التركيب في صورة بيت امرئ القيس ، فإنما يستحق الفضيلة من حيث اختصار اللفظ وحسن الترتيب فيه ، لا لأن للجمع فائدة في عين التشبيه . ونظيره أنّ للجمع بين عدّة تشبيهات في بيت كقوله " 1 " : [ من الوافر ]
بدت قمرا ، وماست خوط بان ، * وفاحت عنبرا ، ورنت غزالا
مكانا من الفضيلة مرموقا ، وشأوا ترى فيه سابقا ومسبوقا لا أنّ حقائق التشبيهات تتغير بهذا الجمع ، أو أن الصور تتداخل وتتركّب وتأتلف ائتلاف الشكلين يصيران إلى شكل ثالث . فكون قدّها كخوط البان ، لا يزيد ولا ينقص في شبه الغزال حين ترنو منه العينان . وهكذا الحكم في أنها تفوح فوح العنبر ، ويلوح وجهها كالقمر .
وليس كذلك بيت بشار : " كأنّ مثار النقع " ، لأن التشبيه هناك كما مضى مركّب وموضوع على أن يريك الهيئة التي ترى عليها النّقع المظلم ، والسيوف في أثنائه تبرق وتومض وتعلو وتنخفض ، وترى لها حركات من جهات مختلفة كما يوجبه الحال حين يحمى الجلاد ، وترتكض بفرسانها الجياد .
كما أن قول رؤبة مثلا " 2 " : [ من الرجز ]
فيها خطوط من سواد وبلق * كأنّها في الجلد توليع البهق
هامش
( 1 ) البيت في ديوانه 1 / 184 ، وهو من قصيدة قالها في مدح أبي الحسين بدر بن عمار بن إسماعيل الأسدي الطبرستاني مطلعها :بقائي شاء ليس هم ارتحالا * وحسن الصبر زموا لا الجمالا
تولوا بغتة فكأن بينا * تهيبني ففاجأني اغتيالاالمعنى : الخوط : القضيب وجمعه خيطان ككوز وكيزان ، والعنبر : ضرب من الطيب . فهو يقول :
بدت هذه المحبوبة قمرا في حسنها ومالت مشبهة غصنا في تثنيها وحسن مشيها ، وفاحت مشبهة عنبرا في طيب ريحها ورنت مشبهة غزالا في سواء مقلتها وهذا من أحسن التشبيه لأنه جمع أربع تشبيهات في بيت واحد . والبيت في التبيان للعكبري على شرح ديوان المتنبي 2 / 18 ، والإيضاح ص 229 ، تحقيق د . عبد الحميد هنداوي .
( 2 ) البيت في ديوانه ص 104 من قصيدة في وصف المفازة مطلعها :وقاتم الأعماق حاوي المخترق * مشتبه الأعلام لمّاع الخفق
يكل وفد الريح من حيث انخرق * شأز بمن عوّه جذب المنطلقالبلق يعني هنا : البياض ، وأصله سواد وبياض ، والبهق : بياض يعتري الجسم بخلاف لونه وهو دون البرص ، والتوليع ، أن يكون في بياض بلقه استطالة وتفرق .