تخطي إلى المحتوى الرئيسي

أسرار البلاغة في علم البيان ( دار الكتب العلمية ) — صفحة 106

مساهمون:

ص١٠٦
وغير ذلك من أحواله : كنحو ما خرج من الشّبه من بعده وارتفاعه ، وقرب ضوئه وشعاعه ، في نحو ما مضى من قول البحتري : دان على أيدي العفاة ومن ظهوره بكل مكان ، ورؤيته في كل موضع ، كقوله " 1 " :
كالبدر من حيث التفتّ رأيته * يهدي إلى عينيك نورا ثاقبا
في أمثال لذلك تكثر . ولم أعرض لما يشبّه به من حيث المنظر ، وما تدركه العين ، نحو تشبيه الشيء بتقويس الهلال ودقّته ، والوجه بنوره وبهجته ، فإنّا في ذكر ما كان " تمثيلا " ، وكان الشّبه فيه معنويّا .

فصل

وإن كان ممّا مضى ، إلا أن الأسلوب غيره ، وهو أن المعنى إذا أتاك ممثّلا ، فهو في الأكثر ينجلي لك بعد أن يحوجك إلى غير طلبه بالفكرة وتحريك الخاطر له والهمّة في طلبه . وما كان منه ألطف ، كان امتناعه عليك أكثر ، وإباؤه أظهر ، واحتجابه أشدّ . ومن المركوز في الطبع أن الشيء إذا نيل بعد الطلب له أو الاشتياق إليه ، ومعاناة الحنين نحوه ، كان نيله أحلى ، وبالمزيّة أولى ، فكان موقعه من النفس أجلّ وألطف ، وكانت به أضنّ وأشغف ، ولذلك ضرب المثل لكل ما لطف موقعه ببرد الماء على الظمأ ، كما قال " 2 " : [ من البسيط ]
وهنّ ينبذن من قول يصبن به * مواقع الماء من ذي الغلّة الصّادي
وأشباه ذلك مما ينال بعد مكابدة الحاجة إليه ، وتقدّم المطالبة من النفس به . فإن قلت : فيجب على هذا أن يكون التعقيد والتعمية وتعمّد ما يكسب
هامش
( 1 ) البيت للمتنبي في ديوانه وفي التبيان للعكبري على شرح ديوان المتنبي ص 95 ، والبيت من قصيدة يمدح بها علي بن منصور الحاطب والإيضاح ص 207 ، وفي نسخة التبيان " نورا ثاقبا " ، والمعنى : هو مثل البدر حيثما كان ترى نوره ، وكذلك حيثما كنت من البلاد ترى عطاءه ، وقد غمر الناس قريبهم وبعيدهم ، والثاقب : المضيء الذي يثقب ضوؤه الظلام ويبدّده . ( 2 ) البيت للقطامي في ديوانه ، وموجود في لسان العرب ( صدى ) . والصدى : شدة العطش ، وقيل : هو العطش ما كان ، صدى يصدى . صدى ، فهو صد وصاد وصديان والأنثى صديا . الغلّة : شدة العطش وحرارته ، قلّ أو كثر . [ لسان العرب : صدى ، غلل ] .
أسرار البلاغة في علم البيان ( دار الكتب العلمية ) — صفحة 106 | عبد الحميد هنداوي / عبد القاهر الجرجاني