تخطي إلى المحتوى الرئيسي

أسرار البلاغة في علم البيان ( دار الكتب العلمية ) — صفحة 104

مساهمون:

ص١٠٤
والبليد الذي لا يكون له خاطر ينتج فائدة ويخرج معنى وشبه من يخيب سعيه ، ونحو ذلك ويعطيك من " القمر " الشهرة في الرجل والنباهة والعزّ والرفعة ، ويعطيك الكمال عن النقصان ، والنقصان بعد الكمال ، كقولهم : " هلا نما فعاد بدرا " ، يراد بلوغ النجل الكريم المبلغ الذي يشبه أصله من الفضل والعقل وسائر معاني الشرف ، كما قال أبو تمام " 1 " : [ من الكامل ]
لهفي على تلك الشواهد منهما * لو أمهلت حتى تصير شمائلا لغدا سكونهما حجى ، وصباهما * كرما ، وتلك الأريحيّة نائلا إنّ الهلال إذا رأيت نموّه * أيقنت أن سيصير بدرا كاملا
وعلى هذا المثل بعينه ، يضرب مثلا في ارتفاع الرجل في الشرف والعزّ من طبقة إلى أعلى منها ، كما قال البحتري " 2 " : [ من الكامل ]
شرف تزيّد بالعراق إلى الذي * عهدوه بالبيضاء أو ببلنجرا مثل الهلال بدا فلم يبرح به * صوغ اللّيالي فيه حتى أقمرا
ويعطيك شبه الإنسان في نشئه ونمائه إلى أن يبلغ حدّ التمام ، ثم تراجعه إذا انقضت مدّة الشباب ، كما قال " 3 " : [ من البسيط ]
المرء مثل هلال حين تبصره * يبدو ضئيلا ضعيفا ثم يتّسق يزداد حتّى إذا ما تمّ أعقبه * كرّ الجديدين نقصا ثم ينمحق
وكذلك يتفرّع من حالتي تمامه ونقصانه فروع لطيفة ، فمن غريب ذلك قول ابن بابك " 4 " : [ من الكامل ]
وأعرت شطر الملك ثوب كماله * والبدر في شطر المسافة يكمل
هامش
( 1 ) الأبيات في ديوانه في مرثية ابنين لعبد اللّه بن طاهر ، ماتا صغيرين ، والإيضاح : 206 ، تحقيق الدكتور هنداوي ، ومنسوبة لأبي تمام في الإشارات والتنبيهات لمحمد بن علي الجرجاني ص 173 . ( 2 ) البيتان هما في ديوانه من قصيدة قالها في مدح إسحاق بن كنداج الخزري القائد الكبير عندما توج وقلد السيفين ، البيضاء ، بلنجر : مدينتان في بلاد الخزر . ( 3 ) البيتان لمحمد بن يزداد بن سويد الكاتب المروزي وزير المأمون . اتسق القمر : استوى ، وفي التنزيل :وَاللَّيْلِ وَما وَسَقَ ، وَالْقَمَرِ إِذَا اتَّسَقَ. قال الفرّاء : وما وسق أي : وما جمع وضم ، واتساق القمر : امتلاؤه واجتماعه واستواؤه ليلة ثلاث عشرة وأربع عشرة ، وقال الفراء : إلى ستّ عشرة فيهن امتلاؤه واتساقه . [ اللسان : وسق ] . ( 4 ) البيت هو في الإيضاح تحقيق الدكتور هنداوي ومنسوب لابن بابك في الإشارات والتنبيهات ص 174 .