تخطي إلى المحتوى الرئيسي

أسرار البلاغة في علم البيان ( دار الكتب العلمية ) — صفحة 103

مساهمون:

ص١٠٣
والحيّ ميّتا أعني جعلهم الرجل إذا بقي له ذكر جميل وثناء حسن بعد موته ، كأنه لم يمت ، وجعل الذكر حياة له ، كما قال : ذكر الفتى عمره الثّاني " 1 " وحكمهم على الخامل الساقط القدر الجاهل الدنيء بالموت ، وتصييرهم إياه حين لم يكن ما يؤثر عنه ويعرف به ، كأنه خارج عن الوجود إلى العدم ، أو كأنه لم يدخل في الوجود . ولطيفة أخرى له في هذا المعنى ، هي ، إذا نظرت ، أعجب ، والتعجّب بها أحقّ ومنها أوجب ، وذلك جعل الموت نفسه حياة مستأنفة حتى يقال : إنه بالموت استكمل الحياة في قولهم : " فلان عاش حين مات " ، يراد الرجل تحمله الأبيّة وكرم النفس والأنفة من العار ، على أن يسخو بنفسه في الجود والبأس ، فيفعل ما فعل كعب بن مامة في الإيثار على نفسه ، أو ما يفعله الشجاع المذكور من القتال دون حريمه ، والصبر في مواطن الإباء ، والتصميم في قتال الأعداء ، حتى يكون له يوم لا يزال يذكر ، وحديث يعاد على مرّ الدهور ويشهر ، كما قال ابن نباتة " 2 " : [ من الكامل ]
بأبي وأمّي كلّ ذي * نفس تعاف الضّيم مرّة ترضى بأن ترد الرّدى * فيميتها ويعيش ذكره
وإنه ليأتيك من الشيء الواحد بأشباه عدة ، ويشتقّ من الأصل الواحد أغصانا في كل غصن ثمر على حدة ، نحو أن " الزّند " بإيرائه يعطيك شبه الجواد ، والذكيّ الفطن ، وشبه النجح في الأمور والظفر بالمراد وبإصلاده شبه البخيل لا يعطيك شيئا ،
هامش
( 1 ) شطر البيت للمتنبي في ديوانه وتمامه :ذكر الفتى عمره الثاني ، وحاجته * ما قاته ، وفضول العيش أشغال( 2 ) البيتان يمدح صمصام الدولة عند ورود القرامطة إلى الكوفة ويحرضه على لقائهم . الظاهر أن يقال فيفعل كما فعل كعب بن مامة قال شيخنا : هو الأباذي المشهور آثر رفيقه السعدي بالماء حتى مات عطشا ونجا السعدي وله يقول حبيب :يجود بالنفس إذ ضن البخيل بها * والجود بالنفس أقصى غاية الجودوقال له ولحاتم الطائي :كعب وحاتم اللذان تقسما * خطط العلى من طارف وتليد وهذا الذي خلف السحاب ومات ذا * في الجهد ميتة خضرم صنديد إلا يكن فيها الشهد فقومه * لا يسمحون له بألف شهيد ( رشيد )