تخطي إلى المحتوى الرئيسي

أسرار البلاغة في علم البيان ( دار الكتب العلمية ) — صفحة 102

مساهمون:

ص١٠٢
وسائرا مقيما ، كما يجيء في وصف الشعر الحسن الذي يتداوله الرواة وتتهاداه الألسن ، كما قال القاضي أبو الحسن : [ من المتقارب ]
وجوّابة الأفق موقوفة * تسير ولم تبرح الحضرة " 1 "
وهل يخفى تقريبه المتباعدين ، وتقريبه بين المختلفين ، وأنت تجد إصابة الرجل في الحجّة ، وحسن تخليصه للكلام ، وقد مثّلت تارة بالهناء ومعالجة الإبل الجربى به ، وأخرى بحزّ القصّاب اللحم وإعماله السكّين في تقطيعه وتفريقه في قولهم : يضع الهناء مواضع النقب " 2 " و " يصيب الحزّ " و " يطبّق المفصل " ، فانظر : هل ترى مزيدا في التناكر والتنافر على ما بين طلاء القطران ، وجنس القول والبيان ؟ ثم كرّر النظر وتأمّل : كيف حصل الائتلاف ، وكيف جاء من جمع أحدهما إلى الآخر ، ما يأنس إليه العقل ويحمده الطبع ؟ حتى إنّك لربما وجدت لهذا المثل إذا ورد عليك في أثناء الفصول ، وحين تبيّن الفاضل في البيان من المفضول قبولا ، ولا ما تجد عند فوح المسك ونشر الغالية ، وقد وقع ذكر " الحزّ " و " التطبيق " منك موقع ما ينفى الحزازات عن القلب ، ويزيل أطباق الوحشة عن النفس . وتكلّف القول في أن للتمثيل في هذا المعنى الذي لا يجارى إليه ، والباع الذي لا يطاول فيه ، كالاحتجاج للضّرورات ، وكفى دليلا على تصرفه فيه باليد الصّناع ، وإيفائه على غايات الابتداع ، أنه يريك العدم وجودا والوجود عدما ، والميّت حيّا
هامش
( 1 ) البيت للقاضي أبي الحسن شيخه علي بن عبد العزيز الجرجاني صاحب الوساطة . ( 2 ) شطر بيت لدريد بن الصمة في ديوانه 43 ، والأغاني 15 / 72 ، قال صاحب الأغاني : مر دريد بن الصمة بالخنساء بنت عمرو بن الشريد ، وهي تهنأ بعيرا لها ، وقد تبذلت حتى فرغت منه ، ثم نضّت عنها ثيابها فاغتسلت ، ودريد بن الصمة يراها ، وهي لا تشعر به فأعجبته فانصرف إلى رحله وأنشأ يقول :حيوا تماضر واربعوا صحبي * وقفوا فإن وقوفكم حسبي أخناس قد هام الفؤاد بكم * وأصابه قبل من الحب ما إن رأيت ولا سمعت بمثله * كاليوم طالي أينق جرب متبذّلا تبدو محاسنه * يضع الهناء مواضع النقبالنّقب : القطع المتفرقة من الجرب ، الواحدة نقبة ، وهي أول ما يبدو من الجرب عامة ، وعجز البيت الأخير مثل يضرب لمن يضع الشيء في موضعه فيكون ماهرا مصيبا ، أو للذي لا يتكلم إلا فيما يجب الكلام .