تخطي إلى المحتوى الرئيسي

سر الفصاحة — صفحة 206

مساهمون:

ص٢٠٦
لأنه أراد عاجل ما اشتهى مع القلة أحب إليّ من الأكثر البطيء ، فترك - مع القلة - وبه تمام المعنى . ومنها قول عروة بن الورد :
عجبت لهم إذ يقتلون نفوسهم * ومقتلهم عند الوغى كان أعذرا « 1 »
كأنه أراد أن يقول : عجبت لهم إذ يقتلون نفوسهم في السلم ، وقتلهم في الحرب أعذر ، فترك - في السلم - وبه يتم المعنى . ومنها قول الحارث بن حلّزة :
والعيش خير في ظلال * النوك ممن عاش كدّا « 2 »
فأراد أن يقول : والعيش الناعم في ظلال النوك خير من العيش الشاق في ظلال العقل ، فاخلّ بأكثر المعنى . ومن أمثلة ذلك في النثر ما حكاه أبو الفرج قدامه بن جعفر أنّ بعضهم كتب في كتاب له : فإن المعروف إذا وحى « 3 » كان أفضل منه إذا توفر وأبطأ ، فأراد أن يقول : إن المعروف إذا قل ووحى كان أفضل منه إذا كثر وأبطأ ، فترك ما بنى المعنى عليه ، وهو ذكر القلة . وكذلك كتب بعضهم : فما زال حتى أتلف ماله ، وأهلك رجاله ، وقد كان ذلك في الجهاد والإبلاء أحق بأهل الحزم وأولى ، فأخلّ بما فيه تمام المعنى ، وذلك أن الذي أراد أنه أنفق ماله وأهلك رجاله في السلم والموادعة وقد كان ذلك في الجهاد أفضل ، فأخل بذكر السلم أو ما يقوم مقامه ، فصار المعنى ناقصا . ولحمد الإيجاز فضّل أحد الشاعرين على صاحبه إذا كانا قد اشتركا في معنى وأوجز
هامش
( 1 ) « ديوانا عروة بن الورد » والسموأل ص 41 ، وفي المطبوع : يخنتون أنفسهم بدل : يقتلون . ( 2 ) النوك : الجهل . ( 3 ) وحى : أسرع .
سر الفصاحة — صفحة 206 | عبد الله بن سعيد الخفاجي الحنفي / داود غطاشة الشوابكة