تخطي إلى المحتوى الرئيسي

سر الفصاحة — صفحة 204

مساهمون:

ص٢٠٤
لأنه لما أراد أن يصف هؤلاء القوم بالشجاعة في متابعتهم الغرام والصبابة عبّر عن ذلك بقوله : أيدي الطعان ، فأتى بأخصر ألفاظ وأوجزها . ومن الإيجاز أيضا قول عمرو بن معد يكرب :
فلو أن قومي أنطقتني رماحهم * نطقت ولكنّ الرماح أجرّت « 1 »
أي : شقت لساني كما يجرّ لسان الفصيل ، يريد أنها أسكتتني . ومن هذا الفن أيضا قول حميد بن ثور الهلالي :
أرى بصري قد خانني بعد صحة * وحسبك داء أن تصحّ وتسلما « 2 »
فإن قوله : وحسبك داء أن تصح وتسلما ، من الإيجاز الحسن ، وكذلك قول نصيب :
فعاجوا فأثنوا بالذي أنت أهله * ولو سكتوا أثنت عليك الحقائب « 3 »
فإن قوله : لو سكتوا أثنت عليك الحقائب ، من الكلام الحسن الموجز . والأصل في مدح الإيجاز والاختصار في الكلام أن الألفاظ غير مقصودة في أنفسها ، وإنما المقصود هو المعاني والأغراض التي احتيج إلى العبارة عنها بالكلام ، فصار اللفظ بمنزلة الطريق إلى المعاني التي هي مقصودة ، وإذا كان طريقان يوصل كل واحد منهما إلى المقصود على سواء في السهولة إلا أنّ أحدهما أخصر وأقرب من الآخر ، فلا بدّ أن يكون المحمود منهما هو أخصرهما وأقربهما سلوكا إلى المقصد ، فإن تقارب اللفظان في الإيجاز وكان أحدهما أشد إيضاحا للمعنى كان بمنزلة تساوي الطريقين في القرب وزيادة
هامش
( 1 ) الأصمعيات 122 ، دلائل الإعجاز 103 ، شرح ديوان الحماسة للمرزوقي 162 ، لسان العرب ( جرر ) . ( 2 ) ديوانه 7 ، الحيوان 6 / 503 ، البيان والتبيين 1 / 154 ، المصون في الأدب 150 ، زهر الآداب للحصري 223 . ( 3 ) ديوانه 59 ، البيان والتبيين 1 / 83 ، الكامل 104 ، زهر الآداب ، العمدة 1 / 44 ، شذور الذهب 30 .