وأما أبو عبادة البحتري فإنه التزم الدال في قصيدته التائية التي مدح فيها المهتدي باللّه ، وفيها يقول « 1 » :
أسفت لأقوام ملكت بعيدهم * وكانت دجت أيامهم وأسوأدّت
مضوا لم يروا من حسن عدلك منظرا * ولم يلبسوا نعماك حين استجدّت
ولم يعلموا أن المكارم أبديت * جذاعا ولا أن المظالم ردّت
وكان علي بن العباس الرومي يلتزم هذا كثيرا ، وهو موجود في شعره .
ونظم أبو العلاء أحمد بن عبد اللّه بن سليمان شعره المعروف بلزوم ما لا يلزم على هذه الطريقة ، وكذلك أكثر كلامه المنثور سلك فيه هذا المنهج .
وليس يغتفر للشاعر ، إذا نظم على هذا الفن لأجل ما ألزم نفسه ما لا يلزمه ، شيء من عيوب القوافي ، لأنه إنما فعل ذلك طوعا واختيارا من غير إلجاء ولا إكراه ، ونحن نريد الكلام الحسن على أسهل الطرق وأقرب السبل وليس بنا حاجة إلى المتكلف المطّرح ، وإن ادعى علينا قائله أنّ مشقة نالته وتعبا مرّ في نظمه .
وورود القوافي متمكنة في الأشعار المختارة موجود ، ومنه قول أبي عبادة « 2 » :
أخيال علوة كيف زرت وعندنا * أرق يشرّد بالخيال الزائر
طيف ألمّ لها ونحن بمهمه * قفر يشقّ على الملمّ الخاطر
أفضى إلى شعث تطير كراهم * روحات قود كالقسيّ ضوامر « 3 »
حتى إذا نزعوا الدجى وتسربلوا * من فضل هلهلة الصباح النائر « 4 »
هامش
( 1 ) « ديوان البحتري » ص ( 2 / 337 ) وفي المطبوع : تذكرت أقواما ملكت بعيدهم . . . ولم يلبسوا دنياك حين استجدت ولا علموا أنّ المكارم أبديت . . . جداعا ولا أنّ المظالم ردّت .
( 2 ) « ديوان البحتري » ( 2 / 240 ) .
( 3 ) قود : جمع أقود وهو الذلول المنقاد من الإبل والخيل ونحوهما . ديوان البحتري ( 2 / 240 ) .
( 4 ) النائر : اسم فاعل من نار الصبح ظهر نوره ، وهلهلته : ضعفه ورقته . ديوان البحتري ( 2 / 240 ) وفي المطبوع : الفائر ، بدل النائر . -