تخطي إلى المحتوى الرئيسي

سر الفصاحة — صفحة 171

مساهمون:

ص١٧١
وقال أبو إسحاق الصابئ في بعض كتبه : « وييسّر له الفتوح شرقا وغربا ويمكّنه من نواصي أعدائه سلما وحربا ، ويجعله في أحواله كلّها سعيدا محظوظا ، وبعين رعايته ملحوظا ، ولا يخليه من مزيد تتوافر مادّته إليه ، وإحسان للّه يتظاهر لديه ، ويصل ما منحه بنظائر تتلوه وتتبعه ، وأمثال تقفوه وتشفعه » . ومن كتاب له آخر : « وصل كتاب مولانا الأمير الجليل عضد الدولة جوابا ، وفهمته وما اقترن به ثوابا ، وقبضته ووقع مني موقع الماء من ذي الغلة ، والشفاء من ذي العلة ، وأعظمت قدر ما اختصني به من عنايته ، وأبانه فيّ من رعايته ، وجعلت ذلك جنّة بيني وبين الزمان ، وأثرة لي على الأضراب والأقران ، وشكرت إنعامه مجتهدا محتفلا ، وادّرعته مفتخرا متجملا » . وهذا كله سجع يتبع المعاني غير متكلف ولا مستكره ، وأمثاله أكثر من أن تحصى . وقد سمى قدامة بن جعفر ترك المناسبة في مقاطع الفصول - التجميع - ومثل ذلك يقول سعيد بن حميد في أول كتاب له : وصل كتابك فوصل به ما يستعبد الحرّ وإن كان قديم العبودية ، ويسترق الشكر وإن كان سالف فضلك لم يبق شيئا منه ، لأن المقطع على - العبودية - منافر للمقطع على - منه . فهذا هو مثال ما تترك به المناسبة قد قدمناه ، ومثال الأسجاع التي تكون غير متكلفة قد ذكرناه ، فأما إذا تكلفت واعتمدت وكانت المعاني تابعة لها فليس ذلك بمرضي . ومما يجب اعتماده في هذا ألّا تجعل الرسالة كلها مسجوعة على حرف واحد ، لأنّ ذلك يقع تعرضا للتكرار ، وميلا إلى التكلف ، وقد استعمل ذلك في الخطب وغيرها من المنثور ، وهو يقع في المكاتبات خاصة . فأما القوافي في الشعر فإنها تجري مجرى السجع ، وإنّ المختار منها ما كان متمكنا يدل الكلام عليه ، وإذا أنشد صدر البيت عرفت قافيته ، كما قال ابن نباتة في وصف قصيدته :
خذها إذا أنشدت للقوم من طرب * صدورها علمت منها قوافيها « 1 »
هامش
( 1 ) « ديوان نصر بن نباتة » ( 1 / 481 ) .