تخطي إلى المحتوى الرئيسي

سر الفصاحة — صفحة 126

مساهمون:

ص١٢٦
وبينه لو كان قال : إن المنبر مشى إليك ، ميزة ظاهرة ، وهذا أمر لا يستمر في مثله شبهة ، فيحتاج إلى الإسهاب في إيضاحه . وأما قوله : إنه جعل للزمان فؤادا ملأته هذه الهمة على مقابلة اللفظ باللفظ لما افتتح البيت بقوله :
تجمعت في فؤاده همم « 1 »
فليس بمعتمد ، لأن مقابلة اللفظ باللفظ على ما أراده مجاز ، والمجاز لا يقاس عليه ، وليس يحسن بنا أن نقابل اللفظ باللفظ في كل موضع من الكلام قياسا على مقابلة اللفظ في قوله تعالى :
وَجَزاءُ سَيِّئَةٍ سَيِّئَةٌ مِثْلُها
[ الشورى : 40 ] كما لا يجوز منا أن نحذف المضاف ونقيم المضاف إليه مقامه أبدا اتباعا لقوله عزّ اسمه :
وَسْئَلِ الْقَرْيَةَ الَّتِي كُنَّا فِيها
[ يوسف : 82 ] والمراد : أهل القرية ، حتى نقول : ضربت زيدا ، ونريد غلام زيد ، والعلة في الجميع واحدة ، وهو أن المجاز لا يقاس عليه وإنما يحذف المضاف ويقام المضاف إليه مقامه في موضع دون موضع ، بحسب ما يتفق من فهم المقصود وزوال اللبس والإشكال ، وكذلك نقابل بعض الكلام ببعض ، بحيث لا يعرض فيه فساد في المعنى ولا خلل في العبارة ، فإذا اعترضنا في المقابلة مثل هذه الاستعارة لم نجزها ، كما إذا تطرق إلينا في حذف المضاف وجود اللبس لم نركن إليه ولا نعرج عليه . وأما قوله : إنه أراد أن يقول : إحداها تشغل الزمان وأهله ، فترخص بأن جعل له فؤادا ، وأعانه على ذلك أن الهمة لا تحل إلا الفؤاد ، وسهّله ما تقدم من تسامح الشعراء في نعوت الدهر وتوسّعهم في استعارة الأوصاب له ، فليس هذا القول بحجة ؛ لأن الشعراء إذا تسامحوا وأبعدوا في الاستعارة نسبوا إلى ما نسب إليه أبو الطيب من الخطأ والعدول عن الوجه في الكلام ، وليس يعذر لهم كما لا يحتج لهم به ، وكلهم في هذا الباب شرع واحد .
هامش
( 1 ) سبق تخريجه ص 121 .