يمكنها أن تجمعها دائرة واحدة ، أولها الوافر وآخرها المضارع ، وقصرها على المستعمل منها ، مغفلا ما أهمله القدماء . ثم ولّد بحرا شبيها بالمقتضب ، وجعل للمتدارك اسما آخر هو المتداني ، وغيّر كثيرا من صور التفعيلات وأعدادها ومصطلحات تسميتها .
وقد شارك النقاد في هذه الحملة الدراسية المتبصرة ، فكان لحازم القرطاجني نصيب ظاهر « 1 » ، إذ اعتمد ذوقه الفني ، متأثرا بابن سينا والمصادر اليونانية ، فاستحدث مصطلحات غفيرة كالقطر والركن والسبط والجعد والثّمانيّة والتّساعيّة والمتضادّة والمتضارعة ، ورفض بعض الصور من التفعيلات والبحور ، كالمضارع والخبب والمنهوك ومجزوء البسيط ومخلّعه ، وحمل ما جاء في الدوائر الخليلية من موافقات بين البحور على العفوية والمصادفة ، لا على القصد الواعي الذي يقتضي المجاراة لمتابعة المهمل من البحور .
وأخيرا حاول اكتشاف ما للبحور المتداولة من سمات موسيقية ، تناسب موضوعات الشعر وفنونه ، ووضع أصلا لتجزئة الوزن ، باعتماد على ما قبلته أذواق القدماء ، لتحليل ما ورد عنهم فيه ظاهر اختلال أو اضطراب .
ولو رجعنا إلى واقع النتاج الشعري لتبدت لنا صور ، تولدت عن ذلك الإيمان بالتجديد والابتكار . فالخليل نفسه الذي أغفل متدارك الأخفش كان قد عرفه من قبل ، ونظم عليه نحو قوله « 2 » :
سئلوا فأبوا ، فلقد بخلوا * فلبئس ، لعمرك ، ما فعلوا
ثم كان لدى سلم الخاسر وصريع الغواني وأبي العتاهية نماذج ، ليس لها في علم الخليل اسم أو حدود . يضاف إلى ذلك ما عرف بالدّوبيت ، وما سمّي بالسلسلة
هامش
( 1 ) منهاج البلغاء ص 230 - 270 والجانب العروضي عند حازم القرطاجني ص 10 - 60 .
( 2 ) مراتب النحويين ص 69 وإنباه الرواة ص 1 / 342 .