تخطي إلى المحتوى الرئيسي

تطور مشكلة الفصاحة والتحليل البلاغي وموسيقى الشعر — صفحة 104

مساهمون:

ص١٠٤
ولذلك رأينا من القدماء من يجعلون الرجز « حمار الشعر » ، وينقلون مشطوره ومنهوكه والمنسرح والمنهوك من ميدان الشعر إلى النثر ، وينفون أن يكون المضارع والمقتضب والخبب والدوبيت من شعر العرب ، ويحكمون على معلقة عبيد بأنها خطبة مسجوعة لا قصيدة مقفّاة « 1 » ، ومن النقاد المعاصرين من رفض كثيرا ، من النتاج الشعري الحديث ، لخروجه على الأصول العربية القديمة . وهذا ، بلا شك ، تحكم بعيد عن طبيعة العمل الفني ، ومخالف لأصول التفكير العربي الذي يعتمد القياس ، في توليد اللغة والإنتاج الأدبي . فكما أن آفاق الفكر ومنطلقات المعاني المتجددة لا يمكن أن تستوعبها المفردات والتراكيب العربية المسموعة وحدها ، ولا بد من توليد ينمّي قدرة اللغة ، ويلبي حاجات الحياة ، كذلك ترى أن التوترات النفسية ورعشات الوجدان وومضات الخيال لا تستطيع البحور التقليدية وحدها أن تسجلها ، وتمثل خصوصياتها وأبعادها ، ولا بد من توليد موسيقيّ ، يناسب التجارب الشعرية المنبثة في حنايا النفس والشعور والخيال . وعلى هذا ، فإن لواء الجنسية العربية للموسيقى الشعرية ما زال في حوزة الخليل الفراهيدي . وإذا كانت البحور والأعاريض والضروب ، التي اكتشف ضوابطها ، ليست هي معيار تلك الجنسية ، فإن الأصول التي وضعها والأبواب التي فتحها للتجديد والتوليد بيدها ميسم التعريب ، تمنح الأصالة كل ما جاء نبيل القسمات منسجم الإيقاع والوحدات . ثم إن هذه المولّدات ما كان منها ذا نفس عميق وقدرات على الحياة والخلود ، بما يحمله من جمال وانسجام وحيوية ، واستطاع أن يثبت جذوره في نتاج واسع متعدد الألوان ، ويجد السيرورة على ألسن الشعراء وأحاسيسهم ، فإنه يضاف إلى تلك البحور الخالدة ، ويكون له اسم ومكانة وأصول .
هامش
( 1 ) المرشد ص 831 . وانظر رسالة الغفران ص 373 - 375 .