تخطي إلى المحتوى الرئيسي

الإيضاح في علوم البلاغة ( ط دار الكتب العلمية ) — صفحة 76

مساهمون:

ص٧٦
عَلَيْهِمْ حَسَراتٍ "
وقيل : " المعنى : أفمن زيّن له سوء عمله ذهبت نفسك عليهم حسرات ؛ فحذف الجواب ، لدلالة :
" فَلا تَذْهَبْ نَفْسُكَ عَلَيْهِمْ حَسَراتٍ "
أو : أفمن زين له سوء عمله كمن هداه اللّه ؛ فحذف لدلالة " فإنّ اللّه يضلّ من يشاء ويهدي من يشاء " . وأما قوله تعالى :
بَلْ سَوَّلَتْ لَكُمْ أَنْفُسُكُمْ أَمْراً فَصَبْرٌ جَمِيلٌ
[ يوسف : الآية 18 ] وقوله تعالى :
سُورَةٌ أَنْزَلْناها
[ النّور : الآية 1 ] ، وقوله :
وَأَقْسَمُوا بِاللَّهِ جَهْدَ أَيْمانِهِمْ لَئِنْ أَمَرْتَهُمْ لَيَخْرُجُنَّ قُلْ لا تُقْسِمُوا طاعَةٌ مَعْرُوفَةٌ
[ النّور : الآية 53 ] فكل منها يحتمل الأمرين ؛ حذف المسند إليه ، وحذف المسند ، أي : فأمري صبر جميل ، أو فصبر جميل أجمل ، وهذه سورة أنزلناها ، أو فيما أوحينا إليك سورة أنزلناها ، وأمركم أو الذي يطلب منكم طاعة معروفة معلومة ، لا يشكّ فيها ، ولا يرتاب كطاعة الخلّص من المؤمنين الذين طابق باطن أمرهم ظاهره ، لا إيمان تقسمون بها بأفواهكم ، وقلوبكم على خلافها ، أو طاعتكم طاعة معروفة ، أي بأنها بالقول دون الفعل ، أو طاعة معروفة أمثل وأولى بكم من هذه الأيمان الكاذبة . ومما يحتمل الوجهين قوله سبحانه وتعالى :
وَلا تَقُولُوا ثَلاثَةٌ
[ النّساء : الآية 171 ] قيل : التقدير ولا تقولوا : آلهتنا ثلاثة ، وردّ بأنه تقرير لثبوت آلهة ؛ لأن النفي إنما يكون للمعنى المستفاد من الخبر دون معنى المبتدأ ، كما تقول : ليس أمراؤنا ثلاثة فإنك تنفي به أن تكون عدة الأمراء ثلاثة دون أن تكون لكم أمراء ، وذلك إشراك ، مع أن قوله تعالى بعده :
إِنَّمَا اللَّهُ إِلهٌ واحِدٌ
[ النّساء : الآية 171 ] يناقضه . والوجه أن " ثلاثة " صفة مبتدأ محذوف ، أي يكون مبتدأ محذوفا مميّزه لا خبر مبتدأ ، والتقدير : " ولا تقولوا : لنا - أو في الوجود - آلهة ثلاثة أو ثلاثة آلهة " ثم حذف الخبر كما حذف من " لا إله إلا اللّه " و " ما من إله إلا اللّه " ثم حذف الموصوف أو المميّز كما يحذفان في غير هذا الموضع ؛ فيكون النهي عن إثبات الوجود لآلهة ، وهذا ليس فيه تقرير لثبوت إلهين ، مع أن ما بعده - أعني قوله :
إِنَّمَا اللَّهُ إِلهٌ واحِدٌ
[ النّساء : الآية 171 ] - ينفي ذلك ، فيحصل النهي عن الإشراك ، والتوحيد من غير تناقض ؛ ولهذا يصح أن يتبع نفي الاثنين فيقال : " ولا تقولوا لنا آلهة ثلاثة ولا إلهان " لأنه كقولنا : ليس لنا آلهة ثلاثة ولا إلهان ، وهذا صحيح ، ولا يصلح أن يقال عن التقدير الأول : ولا تقولوا آلهتنا ثلاثة ولا اثنان ؛ لأنه كقولنا : ليست آلهتنا ثلاثة ولا اثنين ، وهذا فاسد ، ويجوز أن يقدر : ولا تقولوا : اللّه والمسيح وأمّه ثلاثة ، أي لا تعبدوهما كما تعبدونه لقوله تعالى :
لَقَدْ كَفَرَ الَّذِينَ قالُوا إِنَّ اللَّهَ ثالِثُ ثَلاثَةٍ
[ المائدة : الآية 73 ] فيكون : المعنى ثلاثة مستوون في الصفة والرتبة ؛ فإنه قد استقر في العرف أنه إذا أريد إلحاق اثنين بواحد في وصف وأنهما