الشريك مطلقا أيضا كما مر ، وإن جعل " للّه " لغوا كان " شركاء الجنّ " مفعولين قدّم ثانيهما على الأول ، وفائدة التقديم استعظام أن يتّخذ للّه شريك - ملكا كان ، أو جنّيا ، أو غيرهما - ولذلك قدّم اسم اللّه على الشركاء ، ولو لم يبن الكلام على التقديم ، وقيل : وجعلوا الجنّ شركاء للّه ؛ لم يفد إلا إنكار جعل الجنّ شركاء ، واللّه أعلم .
ومنه ارتفاع المخصوص في باب " نعم وبئس " على أحد القولين .
وأما ذكره ؛ فإما لنحو ما مرّ في باب المسند إليه ، من زيادة التقرير ، والتعريض بغباوة السامع ، والاستلذاذ ، والتعظيم ، والإهانة وبسط الكلام ، وإما ليتعين كونه اسما ؛ فيستفاد منه الثبوت ، أو كونه فعلا ، فيستفاد منه التجدّد أو كونه ظرفا ، فيورث احتمال الثبوت والتجدد ، وإما لنحو ذلك .
قال السكاكي : وإما للتعجب من المسند إليه بذكره ، كما إذا قلت : " زيد يقاوم الأسد " مع دلالة قرائن الأحوال ، وفيه نظر ؛ لحصول التعجب بدون الذكر إذا قامت القرينة .
وأما إفراده فلكونه غير سببي ، مع عدم إفادة تقوّي الحكم ، كقولك : زيد منطلق ، وقام عمرو ، والمراد بالسببي نحو زيد أبوه منطلق .
قال السكاكي : وأما الحالة المقتضية لإفراده فهي إذا كان فعليا ولم يكن المقصود من نفس التركيب تقوّي الحكم ، وأعني بالمسند الفعلي ما يكون مفهومه محكوما به بالثبوت للمسند إليه أو بالانتفاء عنه ، كقولك : أبو زيد منطلق والكرّ من البرّ بستين ، وضرب أخو عمرو ، ويشكرك بكر إن تعطه ، وفي الدار خالد ، إذ تقديره : استقرّ أو حصل في الدار على أقوى الاحتمالين ؛ لتمام الصلة بالظرف كقولك : الذي في الدار أخوك .
وفيه نظر من وجهين :
أحدهما : أن ما ذكره في تفسير المسند الفعلي يجب أن يكون تفسيرا للمسند مطلقا ، والظاهر أنه إنما قصد به الاحتراز عن المسند السببي ؛ إذ فسّر المسند السببيّ بعد هذا بما يقابل تفسير المسند الفعليّ ومثله بقولنا : " زيد أبوه منطلق أو انطلق ، والبرّ الكرّ منه بستّين " فجعل - كما ترى - أمثلة السببيّ مقابلة لأمثلة الفعليّ مع الاشتراك في أصل المعنى .
والثاني : أن الظرف الواقع خبرا ، إذا كان مقدّرا بجملة كما اختاره ، كان قولنا : " الكرّ من البرّ بستين " تقديره : الكر من البر استقر بستين ، فيكون المسند جملة ، ويحصل تقوي الحكم كما مرّ ، وكذا إذا كان " في الدار خالد " تقديره : " استقر في الدار خالد " كان المسند
الإيضاح في علوم البلاغة ( ط دار الكتب العلمية ) — صفحة 78
مساهمون: إبراهيم شمس الدين
ص٧٨