تخطي إلى المحتوى الرئيسي

الإيضاح في علوم البلاغة ( ط دار الكتب العلمية ) — صفحة 73

مساهمون:

ص٧٣
وقد ظهر من هذا أن قوله تعالى :
وَكَمْ مِنْ قَرْيَةٍ أَهْلَكْناها فَجاءَها بَأْسُنا
[ الأعراف : الآية 4 ] ليس واردا على القلب ؛ إذ ليس في تقدير القلب فيه اعتبار لطيف ، وكذا قوله تعالى :
ثُمَّ دَنا فَتَدَلَّى
( 8 ) [ النّجم : الآية 8 ] ، وكذا قوله تعالى :
اذْهَبْ بِكِتابِي هذا فَأَلْقِهْ إِلَيْهِمْ ثُمَّ تَوَلَّ عَنْهُمْ فَانْظُرْ ما ذا يَرْجِعُونَ
( 28 ) [ النّمل : الآية 28 ] فأصل الأول : أردنا إهلاكها ، فجاءها بأسنا ، أي إهلاكنا ، وأصل الثاني : ثمّ أراد الدنّو من محمد صلّى اللّه عليه وسلّم فتدلّى فتعلق عليه في الهواء ، ومعنى الثالث : تنحّ عنهم إلى مكان قريب تتوارى فيه ؛ ليكون ما يقولونه بمسمع منك فانظر ما ذا يرجعون فيقال : إنه دخل عليها من كوّة ، فألقى الكتاب إليها ، وتوارى في الكوّة . وأما قول خداش :
وتشقى الرّماح بالضّياطرة الحمر " 1 "
فقد ذكر له سوى القلب وجهان ؛ أحدهما : أن يجعل شقاء الرماح بهم استعارة عن كسرها بطعنهم بها ، والثاني : أن يجعل نفس طعنهم شقاء لها ؛ تحقيرا لشأنهم ، وأنهم ليسوا أهلا لأن يطعنوا بها ، كما يقال : شقي الخزّ بجسم فلان ، إذا لم يكن أهلا للبسه . وقيل في قول قطري بن الفجاءة :
ثم انصرفت وقد أصبت ولم أصب * جذع البصيرة قارح الإقدام " 2 "
إنه من باب القلب على أن " لم أصب " بمعنى لم أجرح أي قارح البصيرة جذع الإقدام ، كما يقال : إقدام غر ورأي مجرّب ، وأجيب عنه بأن " لم أصب " بمعنى لم ألف ، أي ألف بهذه الصفة ، بل وجدت بخلافها جذع الإقدام قارح البصيرة ، على أن قوله : " جذع البصيرة قارح الإقدام " حال من الضمير المستتر في " لم أصب " فيكون متعلقا بأقرب مذكور ، ويؤيد هذا الوجه قوله قبله :
لا يركنن أحد إلى الإحجام * يوم الوغى متخوّفا لحمام " 3 " فلقد أراني للرّماح دريئة * من عن يميني مرة وأمامي
هامش
( 1 ) صدر البيت :ونركب خيلا لا هوادة بينهاوالبيت من الطويل ، وهو لخداش بن زهير في الأضداد ص 153 ، وأمالي المرتضى 1 / 466 ، ولسان العرب ( ضطر ) ، وبلا نسبة في سر صناعة الإعراب 1 / 323 ، والصاحبي في فقه اللغة ص 203 . ( 2 ) البيت من الكامل ، وهو لقطري بن الفجاءة في ديوانه ص 172 ، ولسان العرب ( بزل ) . ( 3 ) الأبيات من الكامل ، وهي في ديوان قطري بن الفجاءة ص 171 .