تخطي إلى المحتوى الرئيسي

الإيضاح في علوم البلاغة ( ط دار الكتب العلمية ) — صفحة 70

مساهمون:

ص٧٠
وكما في قوله تعالى :
وَلَوْ أَنَّهُمْ إِذْ ظَلَمُوا أَنْفُسَهُمْ جاؤُكَ فَاسْتَغْفَرُوا اللَّهَ وَاسْتَغْفَرَ لَهُمُ الرَّسُولُ
[ النّساء : الآية 64 ] لم يقل : واستغفرت لهم ، وعدل عنه إلى طريق الالتفات تفخيما لشأن رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم وتعظيما لاستغفاره ، وتنبيها على أن شفاعة من اسمه الرسول من اللّه بمكان . وذكر السكاكي لالتفات امرئ القيس في الأبيات الثلاثة على تفسيره وجوها : أحدها : أن يكون قصد تهويل الخطب واستفظاعه ؛ فنبّه في التفاتة الأول على أن نفسه وقت ورود ذلك النبأ عليها ولهت وله الثّكلى ، فأقامها مقام المصاب الذي لا يتسلّى بعض التّسلّي إلا بتفجّع الملوك له ، وتحزّنهم عليه ، وخاطبها ب " تطاول ليلك " تسلية أو على أنها لفظاعة شأن النبأ أبدت قلقا شديدا ، ولم تتصبّر - فعل الملوك - فشك في أنها نفسه ، فأقامها مقام مكروب وخاطبها بذلك تسلية ، وفي الثاني على أنه صادق في التحزّن - خاطب أو لا - وفي الثالث على أنه يريد نفسه . أو نبّه في الأول على أن النبأ لشدّته تركه حائرا ، فلما فطن معه لمقتضى الحال فجرى على لسانه ما كان ألفه من الخطاب الدائر في مجاري أمور الكبار أمرا ونهيا ، وفي الثاني على أنه بعد الصدمة الأولى أفاق شيئا ، فلم يجد النفس معه ، فبنى الكلام على الغيبة ، وفي الثالث على ما سبق . أو نبه في الأول على أنها حين لم تثبت ، ولم تتبصّر غاظه ذلك فأقامها مقام المستحقّ للعتاب ، فخاطبها على سبيل التوبيخ والتعبير بذلك ، وفي الثاني على أن الحامل على الخطاب والعتاب لما كان هو الغيظ والغضب ، وسكن عنه الغضب بالعتاب الأول ، ولّى عنها الوجه وهو يدمدم قائلا : " وبات وباتت له " وفي الثالث على ما سبق . هذا كلامه ، ولا يخفى على المنصف ما فيه من التعسف . ومن خلاف المقتضى ما سماه السكاكي الأسلوب الحكيم ، وهو تلقّي المخاطب بغير ما يترقّب ، بحمل كلامه على خلاف مراده ، تنبيها على أنه الأولى بالقصد ، أو السائل بغير ما يتطلب ، بتنزيل سؤاله منزلة غيره ، تنبيها على أنه الأولى بحاله أو المهمّ له . أما الأول فكقول القبعثرى للحجاج - لما قال له متوعّدا بالقيد : " لأحملنّك على الأدهم " - : " مثل الأمير يحمل على الأدهم والأشهب " فإنه أبرز وعيده في معرض الوعد وأراه بألطف وجه أن من كان على صفته في السلطان وبسطة اليد فجدير بأن يصفد ، لا