تخطي إلى المحتوى الرئيسي

الإيضاح في علوم البلاغة ( ط دار الكتب العلمية ) — صفحة 71

مساهمون:

ص٧١
أن يصفد . وكذا قوله له في الثانية : " إنه حديد " - : " لأن يكون حديدا خير من أن يكون بليدا " . وعن سلوك هذه الطريقة في جواب المخاطب عبّر من قال مفتخرا : [ حاتم الطائي ]
أتت تشتكي عندي مزاولة القرى * وقد رأت الضيفان ينحون منزلي " 1 " فقلت كأنّي ما سمعت كلامها : * هم الضيف جدّي في قراهم وعجّلي
وسماه الشيخ عبد القاهر مغالطة . وأما الثاني فكقوله تعالى :
يَسْئَلُونَكَ عَنِ الْأَهِلَّةِ قُلْ هِيَ مَواقِيتُ لِلنَّاسِ وَالْحَجِّ
[ البقرة : الآية 189 ] . قالوا : ما بال الهلال يبدو دقيقا مثل الخيط ثم يتزايد قليلا قليلا حتى يمتلئ ويستوي ، ثم لا يزال ينقص حتى يعود كما بدا ، وكقوله تعالى :
يَسْئَلُونَكَ ما ذا يُنْفِقُونَ قُلْ ما أَنْفَقْتُمْ مِنْ خَيْرٍ فَلِلْوالِدَيْنِ وَالْأَقْرَبِينَ وَالْيَتامى وَالْمَساكِينِ وَابْنِ السَّبِيلِ
[ البقرة : الآية 215 ] ، سألوا عن بيان ما ينفقون ، فأجيبوا ببيان الصرف . ومنه التعبير عن المستقبل بلفظ المضيّ تنبيها على تحقق وقوعه ، وأن ما هو للوقوع كالواقع ، كقوله تعالى :
وَيَوْمَ يُنْفَخُ فِي الصُّورِ فَفَزِعَ مَنْ فِي السَّماواتِ وَمَنْ فِي الْأَرْضِ إِلَّا مَنْ شاءَ اللَّهُ
[ النّمل : الآية 87 ] ، وقوله :
وَيَوْمَ نُسَيِّرُ الْجِبالَ وَتَرَى الْأَرْضَ بارِزَةً وَحَشَرْناهُمْ فَلَمْ نُغادِرْ مِنْهُمْ أَحَداً
( 47 ) [ الكهف : الآية 47 ] ، وقوله تعالى :
وَنادى أَصْحابُ النَّارِ
[ الأعراف : الآية 50 ] ، وقوله تعالى :
وَنادى أَصْحابُ الْأَعْرافِ
[ الأعراف : الآية 48 ] جعل المتوقّع الذي لا بدّ من وقوعه بمنزلة الواقع ، وعن حسّان أن ابنه عبد الرحمن لسعه زنبور ، وهو طفل ، فجاء إليه يبكي ، فقال له : يا بنيّ ما لك ؟ قال : لسعني طويّر كأنه ملتف في بردى حبرة ، فضمّه إلى صدره ، وقال : يا بني قد قلت الشّعر . ومثله التعبير عنه باسم الفاعل كقوله تعالى :
وَإِنَّ الدِّينَ لَواقِعٌ
( 6 ) [ الذّاريات : الآية 6 ] وكذا اسم المفعول ، كقوله تعالى :
ذلِكَ يَوْمٌ مَجْمُوعٌ لَهُ النَّاسُ وَذلِكَ يَوْمٌ مَشْهُودٌ
[ هود : الآية 103 ] . ومنه القلب ، كقول العرب : عرضت الناقة على الحوض ، وردّه مطلقا قوم ، وقبله مطلقا قوم منهم السكاكي ، والحق إنه إن تضمّن اعتبارا لطيفا قبل ، وإلا ردّ . أما الأول فكقول رؤبة : [ بن العجاج ]
ومهمه مغبرّة أرجاؤه * كأنّ لون أرضه سماؤه " 2 "
هامش
( 1 ) البيتان من الطويل ، وهما في ديوان حاتم الطائي ص 174 . ( 2 ) الرجز لرؤبة في ديوانه ص 3 ، والمصباح ص 42 ، والإشارات والتنبيهات ص 59 .
الإيضاح في علوم البلاغة ( ط دار الكتب العلمية ) — صفحة 71 | إبراهيم شمس الدين / الخطيب القزويني