تخطي إلى المحتوى الرئيسي

الإيضاح في علوم البلاغة ( ط دار الكتب العلمية ) — صفحة 158

مساهمون:

ص١٥٨
وقلّتهم ؛ فأزال هذا الوهم بوصفهم بالانتصار من قاتلهم ، وكذا قول أبي الطيب :
أشدّ من الرّياح الهوج بطشا * وأسرع في النّدى منها هبوبا " 1 "
فإنه لو اقتصر على وصفه بشدة البطش ؛ لأوهم ذلك أنه عنف كله ، ولا لطف عنده . فأزال هذا الوهم بوصفه بالسماحة ، ولم يتجاوز في ذلك كلّه صفة الريح التي شبّهه بها ، وقوله : إنه أسرع في الندى منها هبوبا ، كأنه من قول ابن عباس رضي اللّه عنهما : " كان رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم أجود الناس ، وكان أجود ما يكون في رمضان ، كان كالريح المرسلة " " 2 " . وإما بالتتميم ، وهو : أن يؤتي في كلام لا يوهم خلاف المقصود بفضلة تفيد نكتة ، كالمبالغة في قوله تعالى :
وَيُطْعِمُونَ الطَّعامَ عَلى حُبِّهِ
[ الإنسان : الآية 8 ] أي : مع حبّه ، والضمير للطعام ، أي مع اشتهائه ، والحاجة إليه ، ونحوه :
وَآتَى الْمالَ عَلى حُبِّهِ
[ البقرة : الآية 177 ] ، وكذا :
لَنْ تَنالُوا الْبِرَّ حَتَّى تُنْفِقُوا مِمَّا تُحِبُّونَ
[ آل عمران : الآية 92 ] وعن فضيل بن عياض : " على حب اللّه " فلا يكون مما نحن فيه . وفي قول الشاعر :
إنّي على ما ترين من كبري * أعرف من أين تؤكل الكتف " 3 "
وفي قول زهير :
من يلق يوما - على علّاته - هرما * يلق السماحة منه والنّدى خلقا " 4 "
وإما بالاعتراض ، وهو أن يؤتى في أثناء الكلام ، أو بين كلامين متّصلين معنى ، بجملة أو أكثر لا محلّ لها من الإعراب لنكتة سوى ما ذكر في تعريف التكميل . كالتنزيه والتعظيم في قوله تعالى :
وَيَجْعَلُونَ لِلَّهِ الْبَناتِ
[ النّحل : الآية 57 ] سبحانه
وَلَهُمْ ما يَشْتَهُونَ
[ النّحل : الآية 57 ] . والدعاء في قول أبي الطّيّب :
وتحتقر الدنيا احتقار مجرّب * يرى كلّ ما فيها - وحاشاك - فانيا " 5 "
هامش
( 1 ) البيت من الوافر ، وهو في ديوان المتنبي 1 / 240 ، ( 2 ) الحديث أخرجه البخاري في الصوم باب 7 ، والمناقب باب 23 ، والأدب باب 39 ، ومسلم في الفضائل حديث 48 ، 50 . ( 3 ) البيت من المنسرح ، وهو لقيس بن الخطيم في ديوانه ص 239 . ( 4 ) البيت من البسيط ، وهو لزهير بن أبي سلمى في ديوانه ص 53 ، والإنصاف 1 / 68 ، وخزانة الأدب 2 / 335 ، وسر صناعة الإعراب 2 / 831 ، وبلا نسبة في المقتضب 4 / 103 . ( 5 ) البيت من الطويل ، وهو في ديوان المتنبي 2 / 205 .