تخطي إلى المحتوى الرئيسي

الإيضاح في علوم البلاغة ( ط دار الكتب العلمية ) — صفحة 161

مساهمون:

ص١٦١
ما يخالف المقصود ، وهؤلاء فرقتان : فرقة لا تشترط فيه أن يكون واقعا في أثناء كلام ، أو بين كلامين متّصلين معنى . بل يجوّز أن يقع في آخر كلام لا يليه كلام ، أو يليه غير متّصل به معنى ، وبهذا يشعر كلام الزمخشري في مواضع من الكشّاف ، فالاعتراض عند هؤلاء يشمل التذييل ، ومن التكميل ما لا محلّ له من الإعراب ، جملة كان أو أكثر من جملة . وفرقة تشترط فيه ذلك ، لكن لا تشترط أن يكون جملة أو أكثر من جملة . فالاعتراض عند هؤلاء يشمل من التتميم ما كان واقعا في أحد الموقعين ، ومن التكميل ما كان واقعا في أحدهما ولا محل له من الإعراب ، جملة كان أو أقلّ من جملة أو أكثر . وإما بغير ذلك ، كقولهم : " رأيته بعيني " . ومنه قوله تعالى :
إِذْ تَلَقَّوْنَهُ بِأَلْسِنَتِكُمْ وَتَقُولُونَ بِأَفْواهِكُمْ ما لَيْسَ لَكُمْ بِهِ عِلْمٌ
[ النّور : الآية 15 ] أي : هذا الإفك ليس إلّا قولا يجري على ألسنتكم ، ويدور في أفواهكم ، من غير ترجمة عن علم في القلب ، كما هو شأن المعلوم إذا ترجم عنه اللسان . وكذا قوله :
تِلْكَ عَشَرَةٌ كامِلَةٌ
[ البقرة : الآية 196 ] لإزالة توهّم الإباحة ، كما في نحو قولنا : " جالس الحسن وابن سيرين " وليعلم العدد جملة كما علم تفصيلا ؛ ليحاط به من جهتين ، فيتأكد العلم ، وفي أمثال العرب : " علمان خير من علم " . وكذا قوله
كامِلَةٌ
[ البقرة : الآية 196 ] تأكيد آخر ، وقيل : أي كاملة في وقوعها بدلا من الهدي ، وقيل : أريد به تأكيد الكيفية لا الكمية ، حتى لو وقع صوم العشرة على غير الوجه المذكور لم تكن كاملة . وكذا قوله :
الَّذِينَ يَحْمِلُونَ الْعَرْشَ وَمَنْ حَوْلَهُ يُسَبِّحُونَ بِحَمْدِ رَبِّهِمْ وَيُؤْمِنُونَ بِهِ وَيَسْتَغْفِرُونَ لِلَّذِينَ آمَنُوا
[ غافر : الآية 7 ] فإنه لو لم يقصد الإطناب لم يذكر " ويؤمنون به " لأن إيمانهم ليس مما ينكره أحد من مثبتيهم ، وحسّن ذكره إظهار شرف الإيمان ترغيبا فيه . وكذلك قوله :
إِذا جاءَكَ الْمُنافِقُونَ قالُوا نَشْهَدُ إِنَّكَ لَرَسُولُ اللَّهِ وَاللَّهُ يَعْلَمُ إِنَّكَ لَرَسُولُهُ وَاللَّهُ يَشْهَدُ إِنَّ الْمُنافِقِينَ لَكاذِبُونَ
( 1 ) [ المنافقون : الآية 1 ] فإنه لو اختصر لترك قوله :
وَاللَّهُ يَعْلَمُ إِنَّكَ لَرَسُولُهُ
[ المنافقون : الآية 1 ] لأن مساق الآية لتكذيبهم في دعوى الإخلاص في الشهادة كما مر . وحسّنه دفع توهم أن التكذيب للمشهود به في نفس الأمر ، ونحو قول البلغاء : " لا ، وأصلحك اللّه " . وكذا قوله تعالى إخبارا :
هِيَ عَصايَ أَتَوَكَّؤُا عَلَيْها وَأَهُشُّ بِها عَلى غَنَمِي وَلِيَ فِيها
الإيضاح في علوم البلاغة ( ط دار الكتب العلمية ) — صفحة 161 | إبراهيم شمس الدين / الخطيب القزويني