تخطي إلى المحتوى الرئيسي

الإيضاح في علوم البلاغة ( ط دار الكتب العلمية ) — صفحة 157

مساهمون:

ص١٥٧
صببنا عليها - ظالمين - سياطنا * فطارت بها أيد سراع وأرجل " 1 "
وضرب يقع في آخر الكلام ، كقوله تعالى :
فَسَوْفَ يَأْتِي اللَّهُ بِقَوْمٍ يُحِبُّهُمْ وَيُحِبُّونَهُ أَذِلَّةٍ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ أَعِزَّةٍ عَلَى الْكافِرِينَ
[ المائدة : الآية 54 ] فإنه لو اقتصر على وصفهم بالذّلة على المؤمنين ؛ لتوهّم أن ذلّتهم لضعفهم ، فلما قيل :
" أَعِزَّةٍ عَلَى الْكافِرِينَ "
علم أنها منهم تواضع لهم ، ولذا عدّي الذّل ب " على " لتضمينه معنى العطف ، كأنه قيل : عاطفين عليهم على وجه التذلل والتواضع . ويجوز أن تكون التعدية ب " على " لأن المعنى : أنهم مع شرفهم ، وعلوّ طبقتهم وفضلهم على المؤمنين ؛ خافضون لهم أجنحتهم . ومنه قول ابن الرومي ، فيما كتب به إلى صديق له : " إني وليّك الذي لا يزال تنقاد إليك مودّته عن غير طمع ولا جزع ، وإن كنت لذي الرغبة مطلبا ، ولذي الرهبة مهربا " . وكذا قول الحماسيّ :
رهنت يدي بالعجز عن شكر برّه * وما فوق شكري للشّكور مزيد " 2 "
وكذا قول كعب بن سعد الغنوي :
حليم إذا ما الحلم زيّن أهله * مع الحلم في عين العدوّ مهيب " 3 "
فإنه لو اقتصر على وصفه بالحلم ، لأوهم أن حلمه عن عجز ؛ فلم يكن صفة مدح ؛ فقال : " إذا ما الحلم زين أهله " فأزال هذا الوهم ، وأما بقية البيت : فتأكيدا للازم ما يفهم من قوله : " إذا ما الحلم زين أهله " من كونه غير حليم حين لا يكون الحلم زينا لأهله ؛ فإن من لا يكون حليما حين لا يحسن الحلم لأهله ؛ يكون مهيبا في عين العدو لا محالة ، فعلم أن بقية البيت ليست تكميلا ، كما زعم بعض الناس . ومنه قول الحماسيّ :
وما مات منّا سيّد في فراشه * ولا طلّ منّا حيث كان قتيل " 4 "
فإنه لو اقتصر على وصف قومه بشمول القتل إياهم ؛ لأوهم أن ذلك لضعفهم
هامش
( 1 ) البيت من الطويل ، وهو في زهر الآداب 1 / 88 . ( 2 ) البيت من الكامل ، ولم أجده في المصادر والمراجع التي بين يدي . ( 3 ) البيت من الطويل ، وهو لكعب بن سعد الغنوي في لسان العرب ( حلب ) ، وجمهرة أشعار العرب ص 707 ، ولغريقة بن مسافع العبسي في الأصمعيات ص 100 ، ويرى محقق الأصمعيات أن القصيدة التي منها هذا البيت لكعب بن سعد لا لغريقة ، انظر الأصمعيات ص 98 ، الحاشية . ( 4 ) البيت من الطويل ، وهو للمسوأل بن عادياء في ديوانه ص 91 ، وأمالي القالي 1 / 272 ، وديوان الحماسة 1 / 58 .