ويظهر من هذا أن انحراف أبي حيان عن ابن مالك ، ليس بالقدر الذي يصوره المؤرخون . وأما ما نسب إليه من أن ابن مالك لم يتصدر على الشيوخ ، فإنه قد يعني بذلك شيوخه في الأندلس ، والدليل على ذلك اقتصاره على ذكر ثابت بن خيار . أما الجزم بأنه قد عرض به في قوله : إذا رمت العلوم بغير شيخ ، فيرده ما قال في البيتين الأولين ، فأبو حيان لا يدعي ، ولا يمكن أن يدعي أن ابن مالك غمر جهول ، وهو الذي مارس علمه وعرف قدره . وإطراؤه لخلاصته وتسهيله بفند انحيازه لما نسب إليه أتباعه من ذم الخلاصة .
أما المسائل التي خالفه فيها ، فينبغي النظر هل هي من الآراء التي انفرد بها ابن مالك ، أم من المسائل التي تابع فيها غيره ، وحينئذ نقول إن أبا حيان لم يقلد ابن مالك ، ولا غيره فيها ، ومن حق كل عالم على مستواه أن يختار بحرية . ولعل من أهم ما يجمع بين أبي حيان وابن مالك حرص كل واحد منهما على حرية الاختيار ، مثلهما في ذلك مثل ابن هشام الذي خالف ابن مالك في أكثر من مسألة ، وخالف أبا حيان ، لا تقليدا لابن مالك وإنما رأى أن الصواب مع ابن مالك .
ثم لا ننسى أن أبا حيان وافق ابن مالك في عديد من القضايا نذكر منها ، فصل المضاف بأجنبي « 1 » ، وأن « كان » الزائدة بين ما وفعل التعجب لا اسم لها ولا خير « 2 » ، واتيان « من » لابتداء الغاية في الزمن « 3 » ، وعدم نعت مجرور « رب » « 4 » وفعلية « حبذا » « 5 » .
و ) من طرائف أبي حيان :
ومن طرائف إبداع أبي حيان قصيدة فريدة ، بعث بها في شكل رسالة مؤثرة
هامش
( 1 ) ارتشاف الضرب : 2 / 535 .
( 2 ) المصدر نفسه ، ص 2 / 95 .
( 3 ) المصدر نفسه ، ص 441 .
( 4 ) المصدر نفسه ، ص 457 .
( 5 ) المصدر نفسه .