فيقال : إنه يبنى على صيغة لا تحتمل إلا شيئا واحدا ، فبنيناه على الفعل الماضي ، وإن كان للاستقبال .
واعلم أنّ ( عسى ) إنما منع التصرف ، لأنه تضمن معنى ( لعلّ ) . فلما دل على معناه ، وتضمنه ، وهو الطمع ، فمنع التصرف ؛ لأن الحروف وضعت للمعاني ، والأفعال وضعت لدلالتها على الزمن ، والحدث . والأسماء وضعت لدلالتها على المسميات . فإذا رأيت فعلا تضمن ما يدل عليه الحرف ؛ فإنه يمنع عن التصرف ، وإذا رأيت اسما تضمن معنى الحرف الذي يدل عليه ، فإنه يمنع التصرف .
واعلم أنّ ( عسى ) يرفع الاسم ، وينصب الخبر . إلا أن خبره ، لا يكون إلا فعلا مستقبلا يدخله ( أن ) . تقول : عسى زيد أن يقوم . فوقوع الفعل ، بعد ( عسى ) أظهر للمقصود . ولأن ( عسى ) إنما وضع للطمع ، والمقاربة . والطمع في الاستقبال يوجد . فقلنا : إنّ خبره ينبغي أن يكون فعلا مستقبلا ؛ ليكون أقرب إلى المعنى ؛ لأنه ، لما غيّر من المستقبل ، إلى الماضي ، احتاج [ 133 / أ ] إلى شيء يعرف به . و ( أن ) معناه : الاستقبال . فما وجدناه إلا أن يدخله ( أن ) لأنّ ( أن ) يدخل على الأفعال المستقبلة . ولا يجوز أن تقول : عسى زيد قائما ، لما ذكرناه ؛ وإن أتى في الأصل المرفوض : ( عسى الغوير أبؤسا ) « 1 » . فعلم بهذا أن خبر ( عسى ) في موضع النصب . وكان من الواجب أن يقال : عسى الغوير أن يبأس . إلا أنهم ذهبوا إلى أصل مرفوض .
واعلم أنّ ( كاد ) يشبّه ب ( عسى ) بأن يدخل على خبره ( أن ) . فتقول : كاد زيد أن يقوم .
و ( كاد ) خبره لا يكون إلا حالا . و ( عسى ) أيضا ، يشبّه ب ( كاد ) . فتجعل خبره فعلا ، حالا .
تقول : عسى زيد يقوم . وإنما اختص الحال ب ( كاد ) لأن ( كاد ) للمقاربة . والحال أقرب إليه من غيره ، فاختصّ به .
و ( عسى ) و ( كاد ) يرفعان الاسم ، وينصبان الخبر . والدليل على أنّ ( كاد ) يدخل على خبره ( أن ) فتقول : كاد زيد أن يقوم [ قول الشاعر ] :
317 - قد كاد من طول البلى أن يمصحا « 2 »
واعلم أنّ ( عسى ) يدخل عليها الضمير ، ويتأكد شبهيتها ب ( لعل ) . ثم عند ذلك ، ينصب الاسم ، ويرفع الخبر . فتقول : عساني أفعل . وهذا لا يكون إلا في المضمرات . فأما في المظهرات ، فلا [ قال الشاعر ] :
318 - ولي نفس ، أقول لها إذا ما * تنازعني : لعلّي ، أو عساني « 3 »
هامش
( 1 ) مجمع الأمثال ( 2 : 17 ) ( رقم 2435 ) .
( 2 ) من الرجز ، لرؤبة ، وقبله :. . . * رسم عفاه الدهر طولا فامّحىوهو في : ديوانه 172 ، والكتاب 3 : 160 ، والإنصاف 2 : 566 .
( 3 ) البيت من الوافر ، لعمران بن حطان ، في : الكتاب 2 : 375 ، والتحصيل 3375 ، وابن يعيش 3 : 10 ، 118 ، 120 ، 7 : 123 .
وبلا نسبة في : المقتضب 3 : 72 ، والخصائص 3 : 25 .