تخطي إلى المحتوى الرئيسي

الإنصاف في مسائل الخلاف بين النحو البصريين والكوفيين — صفحة 385

مساهمون:

ص٣٨٥
الظّاعنين ولمّا يظعنوا أحدا * والقائلون : لمن دار نخلّيها
فرفع « القائلون » على الاستئناف ؛ ولك أن ترفعهما جميعا ، ولك أن تنصبهما جميعا ، ولك أن تنصب الأول وترفع الثاني ، ولك أن ترفع الأول وتنصب الثاني ، لا خلاف في ذلك بين النحويين . والوجه الثاني : أنّا نسلم « 1 » أنه في موضع جر ، ولكن بالعطف على « ما » من قوله : بما أنزل إليك [ البقرة : 177 ] ، فكأنه قال : يؤمنون بما أنزل إليك وبالمقيمين ، على أنه قد روي عن عائشة عليها السّلام أنها سئلت عن هذا الموضع ، فقالت : هذا خطأ من الكاتب ، وروي عن بعض ولد عثمان أنه سئل عنه ، فقال : إن الكاتب لما كتب وما أنزل من قبلك [ البقرة : 177 ] قال : ما أكتب ؟ فقيل له : اكتب والمقيمين الصلاة ، يعني أن المملّ أعمل قوله « اكتب » في ( المقيمين ) على أن الكاتب يكتبها بالواو كما كتب ما قبلها ، فكتبها على لفظ المملّ . وأما قوله تعالى :
وَصَدٌّ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ وَكُفْرٌ بِهِ وَالْمَسْجِدِ الْحَرامِ
[ البقرة : 217 ] ؛ فلا حجّة لهم فيه ؛ لأن ( المسجد الحرام ) مجرور بالعطف على ( سبيل اللّه ) لا بالعطف على ( به ) والتقدير فيه : وصد عن سبيل اللّه وعن المسجد الحرام ؛ لأن إضافة الصد عنه أكثر في الاستعمال من إضافة الكفر به ، ألا ترى أنهم يقولون : « صددته عن المسجد » ، ولا يكادون يقولون : « كفرت بالمسجد » ؟
شرح
- أن يحملوا أحدا على مفارقة داره ، فهم يخافون عدوهم لقلتهم ولذلهم وضعفهم ، ولا يخافهم عدوّهم ، وقوله « والقائلون لمن دار نخليها » يريد أنهم إذا ارتحلوا عن دارهم وخلوها لم يعرفوا من يحلها من قبائل العرب ، لأنهم أضعف من كل قبيلة ، فكل قبيلة من قبائل العرب يجوز أن تحل دارهم . والاستشهاد ههنا بهذين البيتين في قوله « والقائلون » حيث رفعه على القطع بإضمار مبتدأ ، والتقدير : هم الظاعنون ، ويجوز أن يكون قوله « الظاعنين » تابعا لقوله « نميرا » ويجوز أن يكون مقطوعا بتقدير فعل ، أي أذم الظاعنين ، أو أهجو ، أو نحو ذلك ، وتجوز في الوصفين جميع الوجوه التي ذكرها المؤلف : إتباعهما ، وقطعهما ، واتباع الأول وقطع الثاني ، والذي لا يجوز هو أن تقطع ثم تتبع ، وذلك لأن الرجوع إلى الاتباع بعد أن انصرفت عنه قبيح ، إذ القطع يفيد أن شأن المذكورين معلوم مشهور لا يحتاج إلى وصف يبينه ، فإن عدت إلى الاتباع بعد أن قطعت فكأنك نقضت ما أفدته أولا . وكل موضع جاز فيه القطع فإنه يجوز أن يكون قطعه بالنصب بتقدير فعل مدح أو ذم ويجوز قطعه بالرفع بتقدير مبتدأ ، سواء أكان المتبوع مرفوعا أم منصوبا أم مجرورا ، فاعرف ذلك وكن منه على ثبت .
هامش
( 1 ) في ر « أنّا لا نسلم » وليس بصحيح .