أراد « وكل نار » فاستغنى عن تكرير « كل » وهذا كثير في كلامهم ، وبهذا يبطل قول من توهّم منكم أن ياء النسب في قولهم : « رأيت التيميّ تيم عديّ » اسم في موضع خفض ؛ لأنه أبدل منها « تيم عديّ » فخفضه على البدل ؛ لأن التقدير فيه :
صاحب تيم عدي ، فحذف « صاحب » وجر ما بعده بالإضافة ؛ لأنه في تقدير الثّبات ، وهذا هو الجواب عن قول الآخر :
* وأبي نعيم ذي اللّواء المحرق * [ 294 ]
ثم لو حمل ما أنشدوه من الأبيات على ما ادعوه لكان من الشّاذ الذي لا يقاس عليه ، واللّه أعلم .
شرح
- تستحق إطلاق هذا الاسم عليها هي النار التي يوقدها أربابها لقرى الضيفان ولهداية السالكين في ظلمات الليل . والاستشهاد بالبيت ههنا في قوله « ونار » فإن هذه الواو عاطفة ، و « نار » يحتمل وجهين من الإعراب :
الأول : أن يكون مجرورا بتقدير مضاف يكون معطوفا على كل في قوله « كل امرئ » وعلى هذا الوجه يكون الشاعر قد حذف المضاف وأبقى المضاف إليه على جره ، وأصل الكلام :
أتحسبين كل امرئ امرأ وكل نار نارا ، فكل امرئ : مفعول أول لتحسبين ، وامرأ : مفعوله الثاني ، وكل نار : معطوف على كل امرئ ، ونارا معطوف على امرأ ، فعطف على المفعول الأول مثله ، وعلى المفعول الثاني مثله ، فهو عطف اثنين على معمولين لعامل واحد وهو تحسبين ، وكل ما فيه أنه حذف المضاف وأبقى المضاف إليه على جره كما قلنا ، وهذا الوجه هو أقرب وجوه الإعراب في هذه العبارة ونظائرها ، وهو الذي يعنيه المؤلف باستشهاده بهذا البيت في هذا الموضع .
والوجه الثاني : أن تجعل الواو العاطفة قد عطفت جملة على جملة ، فتقدر فعلا كالفعل السابق في الكلام ، وتقدر له مفعولا أول يكون مضافا إلى نار المجرور ، وتقدير الكلام على هذا الوجه : أتحسبين كل امرئ امرأ وتحسبين كل نار نارا ، فحذف الفعل وفاعله ومفعوله الأول ، وأبقى المضاف إليه والمفعول الثاني ، وهذا الوجه أقل قبولا من الوجه السابق لما فيه من كثرة المحذوفات .
والذي لا يجوز أن تذهب إليه هو أن تجعل « نار » المجرور معطوفا على « امرئ » المجرور ، و « نارا » المنصوب معطوفا على « امرأ » المنصوب ، وذلك لأن هذا الوجه الذي نحذرك منه يستلزم عطف معمولين على معمولين لعاملين مختلفين ، ألست ترى « امرئ » المجرور معمولا لكل باعتباره مضافا إليه والمضاف يعمل في المضاف إليه الجر ، و « امرأ » المنصوب معمولا لتحسبين باعتباره مفعولا ثانيا ، والعطف على معمولي عاملين مختلفين مما لا يجيزه النحاة ، أما تقدير « كل » وهو الوجه الأول وتقدير الفعل وهو الوجه الثاني فكل واحد منهما يخلصك من هذا المحذور ، وإن كان أحدهما أفضل من الآخر ، فاعرف هذا ، وكن منه على ثبت ، واللّه يرشدك ويبصرك .