تخطي إلى المحتوى الرئيسي

الإنصاف في مسائل الخلاف بين النحو البصريين والكوفيين — صفحة 378

مساهمون:

ص٣٧٨
ولم يأت بالجواب ؛ لأن هذا البيت آخر القصيدة ؛ والتقدير فيه : حتى إذا أسلكوهم في قتائدة شلّوا شلّا ، فحذف للعلم به توخّيا للإيجاز والاختصار على ما بيّنا . ثم حذف الجواب أبلغ في المعنى من إظهاره ، ألا ترى أنك لو قلت لعبدك « واللّه لئن قمت إليك » وسكتّ عن الجواب ذهب فكره إلى أنواع من العقوبة والمكروه من القتل والقطع والضرب والكسر ، فإذا تمثلت في فكره أنواع العقوبات وتكاثرت عظمت الحال في نفسه ولم يعلم أيها يتقي ؛ فكان أبلغ في ردعه وزجره عما يكره منه ، ولو قلت « واللّه لئن قمت إليك لأضربنك » وأظهرت الجواب لم يذهب فكره إلى نوع من المكروه سوى الضرب ؛ فكان ذلك دون حذف الجواب في نفسه ؛ لأنه قد وطّن له نفسه فيسهل ذلك عليه ، قال كثير : [ 291 ]
وقلت لها : يا عزّ كلّ ملمّة * إذا وطّنت يوما لها النّفس ذلّت
وكذلك الحال في الإحسان ، نحو « واللّه لئن زرتني » : إذا حذفت الجواب تصورت له أنواع الإحسان إليه من إكرامه والإنعام عليه ؛ فكان ذلك أبلغ في استدعائه إلى الزيارة وإسراعه إليها ، ولو قلت « واللّه لئن زرتني لأعطيتك درهما » لم يذهب فكره إلى غير الدرهم قط « 1 » ؛ فكان ذلك دون حذف الجواب في نفسه ؛ لأنه ربما يكون مستغنيا عنه غير راغب فيه ؛ فلا يدعوه ذلك إلى الزيارة ، [ 192 ] وإذا حذفت الجواب تصورت له أنواع الإحسان إليه ؛ فكان ذلك أدعى له إلى الزيارة ، كما كان الأول أدعى إلى الترك ، على ما بيّنا ، واللّه أعلم .
شرح
[ 291 ] هذا البيت لكثير عزة ، وقد أنشده ابن منظور ( وط ن ) وعزاه إليه ، وعنده « كل مصيبة » والملمة : أصله اسم الفاعل المؤنث من قولهم « ألم بفلان أمر » أي نزل به ، ثم استعملوه في النازلة من نوازل الدهر ، وقوله « وطنت » هو بالبناء للمجهول مشدد الطاء مكسورة - من قولهم « وطن فلان نفسه على الأمر ، ووطن نفسه للشيء » إذا حملها عليه فتحملته ، وهو شبه التمهيد لقبولها ذلك الشيء ، وذلت : انقادت وخضعت واحتملت ما حملها ، والاستشهاد بالبيت في معناه ، وهو أن كل شيء يعرض للإنسان إذا مهد نفسه لقبوله قبلته نفسه ورضيت به وصبرت عليه وإن كان مما يشق عليها احتماله . وشبه المؤلف جواب الشرط بهذا الأمر . فإن كان مذكورا في الكلام كأن تقول « إن تلعب أضربك » وطن السامع نفسه على قبوله وراضها على أن تخضع له ؛ فمتى وقع لم يكن شيئا غريبا على نفسه ، وإن لم يذكر في الكلام كأن تقول « من يفعل كذا » وتقف عند ذلك ، فإن السامع يتخيل كل ضرب من أضرب الثواب أو العقوبة المترتبة على فعله ، فإذا وقع شيء منها كان جديدا على نفسه ؛ لأنه لم يقدره بذاته ، وهذا واضح إن شاء اللّه تعالى .
هامش
( 1 ) في ر « فقط » وليس بذاك .
الإنصاف في مسائل الخلاف بين النحو البصريين والكوفيين — صفحة 378 | أبو البركات بن الأنباري