تخطي إلى المحتوى الرئيسي

الإنصاف في مسائل الخلاف بين النحو البصريين والكوفيين — صفحة 683

مساهمون:

ص٦٨٣
وجه الدليل أنه نصب « نفسا » على التمييز ، وقدّمه على العامل فيه وهو « تطيب » [ 352 ] لأن التقدير فيه : وما كان الشأن والحديث تطيب سلمى نفسا ؛ فدلّ على جوازه . وأما القياس فلأن هذا العامل فعل متصرف ؛ فجاز تقديم معموله عليه كسائر الأفعال المتصرفة ، ألا ترى أن الفعل لما كان متصرفا - نحو قولك : « ضرب زيد عمرا » - جاز تقدّم معموله عليه نحو « عمرا ضرب زيد » ولهذا ذهبتم إلى أنه يجوز تقديم الحال على العامل فيها إذا كان فعلا متصرفا نحو « راكبا جاء زيد » . قالوا : ولا يجوز أن يقال : « تقديم الحال على العامل فيها لا يجوز عندكم ولا تقولون به ، فكيف يجوز لكم الاستدلال بما لا يجوز عندكم ولا تقولون به ؟ » لأنّا نقول : كان القياس يقتضي أن يجوز تقديم الحال على العامل فيها إذا كان فعلا متصرفا ، إلا أنه لم يجز لدليل دل عليه ، وذلك لما يؤدي إليه من تقديم المضمر على المظهر على ما بيّنا في مسألة الحال ، فبقينا فيما عداه على الأصل ، وجاز لنا
شرح
- فنقابله برواية الزجاجي وإسماعيل بن نصر وأبي إسحاق :* وما كان نفسي بالفراق تطيب *فرواية برواية ، والقياس من بعد حاكم ، وذلك أن المميز هو الفاعل في المعنى ، ألا ترى أن أصل الكلام : تصبب عرقي ، وتفقأ شحمي ، ثم نقل الفعل فصار في اللفظ لي ، فخرج الفاعل في الأصل مميزا ، فكما لا يجوز تقديم الفاعل على الفعل فكذلك لا يجوز تقديم المميز - إذا كان هو الفاعل في المعنى - على الفعل » اه كلامه . ومما جاء فيه تقديم التمييز - سوى هذا البيت الذي وجدوا فيه رواية أخرى يتمسكون بها - قول ربيعة بن مقروم الضبي :رددت بمثل السيد نهد مقلص * كميش إذا عطفاه ماء تحلباوقول الآخر :إذا المرء عينا قرّ بالعيش مثريا * ولم يعن بالإحسان كان مذمّماوقول الآخر :ضيّعت حزمي في إبعادي الأملا * وما ارعويت ، وشيبا رأسي اشتعلاوقد اقتنع بهذه الشواهد أبو عثمان المازني وأبو العباس المبرّد والكسائي وأبو عمر الجرمي فذهبوا إلى جواز تقدم التمييز على عامله إذا كان هذا العامل فعلا متصرفا . واللّه سبحانه وتعالى أعلى وأعلم ، وأعزّ وأكرم ، وصلّى اللّه على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه وسلم . اللهم إني أحمدك أحبّ الحمد إليك ، وأطيب الحمد عندك ، وأشكرك شكرا يوالي نعمك ويكافىء مزيدك ، وأبتهل إليك أن تتقبّل عملي ، وتجعله لديك في سجل الحسنات ، إنك سميع قريب مجيب الدعاء ، يا رب العاملين ، آمين .