تخطي إلى المحتوى الرئيسي

الإنصاف في مسائل الخلاف بين النحو البصريين والكوفيين — صفحة 684

مساهمون:

ص٦٨٤
أن نستدل به عليكم وإن كنا لا نقول به ؛ لأنكم تقولون به ؛ فصلح أن يكون إلزاما عليكم . وأما البصريون فاحتجوا بأن قالوا : إنما قلنا إنه لا يجوز تقديمه على العامل فيه ، وذلك لأنه هو الفاعل في المعنى ، ألا ترى أنك إذا قلت « تصبّب زيد عرقا ، وتفقأ الكبش شحما » أن المتصبب هو العرق والمتفقىء هو الشحم ، وكذلك لو قلت « حسن زيد غلاما ، ودابة » لم يكن له حظ في الفعل من جهة المعنى ، بل الفاعل في المعنى هو الغلام والدابة ؛ فلما كان هو الفاعل في المعنى لم يجز تقديمه كما لو كان فاعلا لفظا . قالوا : ولا يلزم على كلامنا الحال حيث يجوز تقديمها على العامل فيها نحو « راكبا جاء زيد » فإن راكبا فاعل في المعنى ومع هذا يجوز تقديمه ؛ لأنا نقول : الفرق بينهما ظاهر ، وذلك لأنك إذا قلت « جاء زيد راكبا » فزيد هو الفاعل لفظا ومعنى ، وإذا استوفى الفعل فاعله من جهة اللفظ والمعنى صار « راكبا » بمنزلة المفعول المختص لاستيفاء الفعل فاعله من كل وجه ؛ فجاز تقديمه كالمفعول نحو « عمرا ضرب زيد » بخلاف التمييز ؛ فإنك إذا قلت « تصبّب زيد عرقا ، وتفقأ الكبش شحما ، وحسن زيد غلاما » لم يكن زيد هو الفاعل في المعنى ، بل الفاعل في المعنى هو العرق والشحم [ والغلام ] ، فلم يكن عرقا وشحما وغلاما بمنزلة المفعول من هذا الوجه ؛ لأن [ 353 ] الفعل استوفى فاعله لفظا لا معنى ، فلم يجز تقديمه كما جاز تقديم الفاعل « 1 » ، وكذلك قولهم : « امتلأ الإناء ماء » فإنه وإن لم يكن مثل « تصبب زيد عرقا » لأنه لا يمكن أن تقول « امتلأ ماء الإناء » كما يمكن أن تقول « تصبّب عرق زيد » إلا أنه لما كان يملأ الإناء كان فاعلا على الحقيقة . وأما الجواب عن كلمات الكوفيين : أما ما استدلوا به من قول الشاعر :
أتهجر سلمى بالفراق حبيبها * وما كان نفسا بالفراق تطيب [ 502 ]
فإن الرواية الصحيحة :
* وما كان نفسي بالفراق تطيب * [ 502 ]
وذلك لا حجّة فيه ، ولئن سلّمنا صحة ما رويتموه فنقول : نصب « نفسا » بفعل مقدر ، كأنه قال أعني نفسا ، لا على التمييز ، ولو قدرنا ما ذكرتموه فإنما جاء في الشعر قليلا على طريق الشذوذ ؛ فلا يكون فيه حجة . وأما قولهم : « إنه فعل متصرف فجاز تقديم معموله عليه كسائر الأفعال
هامش
( 1 ) كذا ، وهو خطأ وصوابه « كما جاز تقديم الحال » .