تخطي إلى المحتوى الرئيسي

الإنصاف في مسائل الخلاف بين النحو البصريين والكوفيين — صفحة 680

مساهمون:

ص٦٨٠
قائم » ؛ فكذلك يجب أن يكون المفعول في معنى الفاعل ؛ فلهذا امتنع في « كان » ما جاز في « ضرب » لا لما ادعيتم ، على أنا لا نقول إنّ كان بمنزلة ضرب ، فإن ضرب فعل حقيقي يدل على حدث وزمان ، والمرفوع [ به ] فاعل حقيقي ، والمنصوب به مفعول حقيقي ، وأما « كان » فليس فعلا حقيقيا ؛ بل يدل على الزمان المجرد عن الحدث ، ولهذا يسمى فعل [ 350 ] العبارة ، فالمرفوع به مشبه بالفاعل والمنصوب به مشبه بالمفعول ؛ فلهذا سمّي المرفوع اسما ، والمنصوب خبرا ، ولهذا المعنى من الفرق لما كان ضرب فعلا حقيقيا جاز إذا كنّي عنه - نحو « ضربت زيدا » - أن يقال : فعلت بزيد ، ولما كانت « كان » فعلا غير حقيقي ، بل في فعليتها خلاف ؛ لم يجز إذا كنّي عنها نحو « كنت أخاك » أن يقال : فعلت بأخيك . وأما قولهم : « إنه يحسن أن يقال : كان زيد في حالة كذا ، وكذلك يحسن أيضا في ظننت زيدا قائما : ظننت زيدا في حالة كذا ؛ فدل على أن نصبهما نصب الحال » قلنا : هذا إنما يدل على الحال مع وجود شروط الحال بأسرها ، ولم يوجد ذلك ؛ لأنه من شروط الحال أن تأتي بعد تمام الكلام ، ولم يوجد ذلك في « كان » الناقصة التي وقع فيها الخلاف ، دون التامة التي بمعنى وقع ، ولم يوجد أيضا في المفعول الثاني لظننت التي بمعنى الظن أو العلم التي وقع فيها الخلاف ، لا التي بمعنى التّهمة ، وكذلك من شروطها ألا تكون إلا نكرة ، وكثيرا ما يقع خبر كان والمفعول الثاني لظننت معرفة ، ولو كانا حالا لما جاز أن يقعا إلا نكرة ؛ فلما جاز أن يقعا معرفة دل على أنهما ليسا بحال . قولهم : « إنما جاز ذلك لأن المعرفة أقيمت مقام الحال ، كما أقيمت الآلة مقام المصدر في قولهم : ضربت زيدا سوطا » قلنا : الفرق بينهما ظاهر ، وذلك أنه إنما حسن أن ينصب « سوطا » على المصدر ؛ لأنه نكرة قام مقام نكرة ، فأفاد فائدته ، فحسن أن ينصب بما نصب به لقيامه مقامه ، وأما هاهنا فلا يحسن أن يقوم المعرفة مقام الحال ؛ لأن الحال لا تكون إلا نكرة ، وهو معرفة ؛ فلا يفيد أحدهما ما يفيده الآخر ؛ فلا يجوز أن يقام مقامه ؛ فلا يجوز أن ينصب بما نصب به . وأما قولهم : « إن الحال قد جاء معرفة في قولهم : أرسلها العراك ، وطلبته جهدك ، ورجع عوده على بدئه » قلنا : هذه الألفاظ مع شذوذها وقلتها ليست أحوالا ، وإنما هي مصادر دلّت على أفعال في موضع الحال ، فإذا قلت « أرسلها العراك » فالتقدير فيه : أرسلها تعترك العراك ، على معنى تعترك الاعتراك ، فأقاموا « العراك » مقام الاعتراك ، كما قال تعالى :
وَاللَّهُ أَنْبَتَكُمْ مِنَ الْأَرْضِ نَباتاً
[ نوح : 17 ] ثم حذفوا « تعترك » وهو جملة في موضع [ 351 ] الحال ، وأقاموا المصدر دليلا