إلا أنهم خففوه كما خففوا ريحان ، وأصله ريّحان - بالتشديد - على فيعلان ، وأصل ريّحان « ريوحان » فلما اجتمعت الواو والياء والسابق منهما ساكن قلبوا الواو [ 335 ] ياء وجعلوهما ياء مشدودة ، وكما خففوا سيّد وهيّن وميّت ، إلا أن التخفيف في نحو سيد وهين وميت جائز ، والتخفيف في نحو كيّنونة وقيّدودة واجب ، وذلك لأن نهاية الاسم بالزيادة أن يكون على سبعة أحرف وهو مع الياء على سبعة أحرف ، فخففوه كما خففوا اشهيباب ، فقالوا : اشهباب .
وإذا جاز الحذف فيما قلّت حروفه نحو سيّد وهيّن وميّت لزم الحذف فيما كثرت حروفه نحو كيّنونة وقيّدودة . وإذا جاز أن يختص المعتل بأبنية ليست للصحيح كان حمل سيّد وهيّن وميّت على الظاهر أولى من العدول عنه إلى غيره .
قالوا : ولا يجوز أن يقال « إن الأصل أن يقال في جمع قاض : قضّى . كما يقال : غاز وغزّى ، فاستثقلوا التشديد على غير الفعل ، فحذفوا ، وعوّضوا من حذف المحذوف هاء ، كما قالوا : عدة ، فعوضوا من الواو المحذوفة هاء ، وأما كينونة وقيدودة فالأصل كونونة وقودودة على فعلولة نحو بهلول وصندوق . إلا أنهم فتحوا أوله لأن أكثر ما يجيء من هذه المصادر مصادر ذوات الياء ، كقولهم طار طيرورة وصار صيرورة وسار سيرورة وحاد حيدودة ، ففتحوه حتى تسلم الياء « 1 » ؛ لأن الباب للياء ، ثم حملوا ذوات الواو على ذوات الياء ؛ لأنها جاءت على بنائها ، وليس للواو فيه حظ ؛ لقربهما في المخرج واشتراكهما في اللين ، فقلبوا الواو ياء في نحو كيّنونة وقيّدودة . كما قالوا الشّكاية وهي من ذات الواو لقولهم : شكوت أشكو شكوا ؛ لأنها جاءت على مصادر الياء نحو الدّراية والرّواية والسّعاية والرّماية فكذلك هاهنا » لأنا نقول : أما قولكم « إن الأصل أن يقال في جمع قاض قضّى كما يقال غاز وغزّى » قلنا : هذا عدول عن الظاهر من غير دليل ، ثم لو كان أصله قضّى كغاز وغزّى لكان ينبغي أن لا يلزمه الحذف لقلة حروفه ، وأن يجوز أن يؤتى به على أصله ؛ فكان يقال فيه : قضّى وقضاة كما قالوا : غزّى ، وغزاة ؛ لأن فعّلا ليس بمهجور في أبنيتهم ، وهو كثير في كلامهم ، فلما لزم الحذف ولم يلزم في نظيره مع قلة حروفه دلّ على أن ما ذكرتموه مجرد دعوى لا يستند إلى معنى .
وأما قولهم « إن كينونة فعلولة » قلنا : هذا باطل ؛ لأنه لو كان الأمر كما زعمتم
هامش
( 1 ) إذ لو بقيت الضمة لوجب قلب الياء واوا ؛ لسكونها بعد ضمة كما قلبوها في موسر اسم الفاعل من أيسر .