تخطي إلى المحتوى الرئيسي

الإنصاف في مسائل الخلاف بين النحو البصريين والكوفيين — صفحة 565

مساهمون:

ص٥٦٥
معناها ، ألا ترى أن « عسى » فيها معنى الطمع ، كما أن لعل فيها معنى الطمع ، فأمّا « لولا » فليس في حروف الخفض ما هو بمعناه فيحمل عليه ، فبان الفرق بينهما ، ولأنه لو كان المكنيّ في موضع خفض لكنا نجد اسما ظاهرا مخفوضا بلولا ؛ لأنه ليس في كلام العرب حرف يعمل الخفض في المكنيّ دون الظاهر ؛ فلو كانت مما يخفض لما كان يخلو أن يجيء ذلك في بعض المواضع أو في الشعر الذي يأتي بالمستجاز ، وفي عدم ذلك دليل على أنه لا يجوز أن تخفض اسما ظاهرا ولا مضمرا ؛ فدل على أن الضمير بعد « لولاك » في موضع رفع . يدل عليه أن المكنيّ كما يستوي لفظه في النصب والخفض نحو « أكرمتك ، ومررت بك » فقد يستوي لفظه أيضا في الرفع والخفض نحو « قمنا ، ومرّ بنا » فيكون لفظ المكنيّ في الرفع والخفض واحدا ، وإذا كان كذلك جاز أن تكون الكاف في موضع « أنت » رفعا . قالوا : ولا يجوز أن يقال « لو كان الرفع محمولا على الجر في لولاك لوجب أن يفصل بين المكنيّ المرفوع والمجرور في المتكلم كما فصل بين لفظ المكنيّ المنصوب والمجرور في المتكلم نحو : أكرمني ، ومرّ بي : لأنّا نقول : النون في المنصوب لم تدخل لتفصل بين المكنيّ المنصوب والمكنيّ المخفوض ، وإنما دخلت النون في المكنيّ المنصوب لاتصاله بالفعل ؛ فلو لم يأتوا بهذه النون لأدى ذلك إلى أن يكسر الفعل لمكان الياء ؛ لأن ياء المتكلم لا يكون ما قبلها إلا مكسورا ، والفعل لا يدخله الكسر ؛ لأنه إذا لم يدخله الجر - وهو غير لازم ؛ استثقالا له - فلأن لا يدخله الكسر الذي هو لازم استثقالا له كان ذلك من طريق الأولى . وأما المكنيّ المخفوض فلم تدخله هذه النون لأنه يتصل بالحرف ، والحرف لا يلزم أن تدخل عليه هذه النون ، و « لولا » حرف ؛ فلهذا المعنى لم تدخل عليه هذه النون . وأما البصريون فاحتجوا بأن قالوا : إنما قلنا إن المكنيّ في « لولاي ، ولولاك » في موضع جر لأن الياء والكاف لا تكونان علامة مرفوع ، والمصير إلى ما لا نظير له في كلامهم محال ؛ ولا يجوز أن يتوهم أنهما في موضع نصب ؛ لأن « لولا » حرف ، وليس بفعل له [ 287 ] فاعل مرفوع فيكون الضمير في موضع نصب ، وإذا لم يكن في موضع رفع ولا نصب وجب أن يكون في موضع جر . قالوا : فلا يجوز أن يقال : « إذا زعمتم أن لولا تخفض الياء والكاف فحروف الخفض لا بد أن تتعلق بفعل فبأيّ فعل تتعلق ؟ » لأنا نقول : قد تكون الحروف في موضع مبتدأ لا تتعلق بشيء كقولك « بحسبك زيد » ومعناه حسبك ، قال الشاعر :
بحسبك في القوم أن يعلموا * بأنّك فيهم غنيّ مضرّ [ 100 ]
الإنصاف في مسائل الخلاف بين النحو البصريين والكوفيين — صفحة 565 | أبو البركات بن الأنباري