تخطي إلى المحتوى الرئيسي

الإنصاف في مسائل الخلاف بين النحو البصريين والكوفيين — صفحة 539

مساهمون:

ص٥٣٩
فقال « يعلما » بالألف ، ولا يجوز أن يكون هاهنا بالنون ؛ لمكان قوله « معمّما » بالألف ؛ لأن النون لا تكون وصلا مع الألف في لغة من يجعلها وصلا ، ولا رويّا مع الميم إلا في الإكفاء ، وهو عيب من عيوب الشعر ، ولو جاز أن تقع رويّا معها لما جاز هاهنا ؛ لأن النون مقيدة ، والميم مطلقة ، فإن أتى بتنوين الإطلاق على لغة بعض العرب فقال « معمّما » بالتنوين جاز أن يقول « يعلمن » بالنون ؛ لأنهم [ 274 ] يجعلون في القافية مكان الألف والواو والياء تنوينا ، ولا فرق عندهم في ذلك بين أن تكون هذه الأحرف أصلية أو منقلبة أو زائدة ، في اسم أو فعل ، كما قال الشاعر : [ 410 ]
أقلّي اللّوم عاذل والعتابن * وقولي : إن أصبت لقد أصابن
شرح
- شيء يوضع في فم السّقاء ويصبّ اللبن فيه مخافة أن يقع على الأرض ، والثمال - بضم الثاء - ههنا الرغوة ، ويحسبه : أي الوطب الذي علاه الثمال ، وما في قوله « ما لم يعلما » مصدرية ظرفية : أي مدة عدم علمه ، ومحل الاستشهاد من هذا البيت قوله « يعلما » والعلماء يستشهدون بهذه الكلمة لشيئين : أولهما أن نون التوكيد تنقلب ألفا في الوقف ، ألا ترى الراجز قد جاء بهذه الكلمة في آخر البيت بالألف لأن آخر البيت محل الوقف ؟ والثاني أن الفعل المضارع المنفي بلم تدخل عليه نون التوكيد تشبيها للم بلا الناهية ، وسيبويه يرى أن ذلك لا يكون إلا في الضرورة ، قال الأعلم « الشاهد فيه دخول النون في قوله لم يعلمن ، وليس المضارع بعد لم من مواضع نون التوكيد ، ضرورة » اه بتوضيح يسير . [ 410 ] هذا البيت من كلام جرير بن عطية بن الخطفي ، وهو من شواهد سيبويه ( 1 / 298 / و 299 ) وابن جني في الخصائص ( 2 / 96 ) وفي شرح تصريف المازني ( 1 / 224 ) وابن هشام في مغني اللبيب ( رقم 567 ) وفي أوضح المسالك ( رقم 1 ) والأشموني ( رقم 4 ) وابن عقيل ( رقم 1 ) وشرحه العيني ( 1 / 91 بهامش الخزانة ) ورضي الدين في أوائل شرح الكافية ، وشرحه البغدادي في الخزانة ( 1 / 34 ) ومفصل الزمخشري وشرحه لابن يعيش ( ص 1231 ) وأقلي : فعل أمر من الإقلال ، وهو في الأصل جعل الشيء قليلا ، وقد يطلق على ترك الشيء بتة ، وهو المراد ههنا ، واللوم : العذل والتوبيخ ، وعاذل : مرخم عاذلة ، وهو اسم فاعل مؤنث من العذل وهو اللوم والتعنيف ، والعتاب : هو مخاطبة الإدلال ومذاكرة الغضب ، والمراد ههنا اللوم في تسخط ، وأصبت : يروى بضم التاء على أنها ضمير المتكلم ، ويروى بكسرها على أنها ضمير المخاطبة المؤنثة . ومحل الاستشهاد من هذا البيت قوله « العتابن » و « أصابن » حيث لحق التنوين هاتين الكلمتين ، وههنا أشياء لا بد أن ننبّهك إليها ، الأول : أن هذا التنوين يسمى تنوين الترنّم ، وهو غير مختص بالأسماء ، بل يدخل الاسم والفعل والحرف ، ويدخل من الأسماء المتمكن وغير المتمكن والمقرون بأل وغير المقرون بها ، ولو كان مختصا بالأسماء لما دخل غير الأسماء المتمكنة المجردة من أل ، والثاني : أن هذا ضرب من ضروب إنشاد القوافي ، قال سيبويه في باب وجوه القوافي في الإنشاد : « وأما ناس كثير من تميم فإنهم يبدلون مكان المدة النون فيما ينون وما -
الإنصاف في مسائل الخلاف بين النحو البصريين والكوفيين — صفحة 539 | أبو البركات بن الأنباري