تخطي إلى المحتوى الرئيسي

الإنصاف في مسائل الخلاف بين النحو البصريين والكوفيين — صفحة 538

مساهمون:

ص٥٣٨
بالكسر التبس بفعل المرأة المخاطبة ، نحو « تضربنّ يا امرأة » فبطل تحريك اللام ، وبطل أن تلحق الألف ؛ لأنه لا يخلو : إما أن تكسر النون لالتقاء الساكنين ، أو تترك ساكنة مع الألف ، بطل أن تكسر لالتقاء الساكنين ؛ لأنها تجري مجرى نون الإعراب ، وذلك لا يجوز ، وبطل أن تترك ساكنة مع الألف ؛ لأنه يجتمع ساكنان على غير حدّه ؛ لأنه لم ينقل ذلك عن أحد من العرب ، ولا نظير له في كلامهم ، وذلك لا يجوز ؛ فإذا ثبت هذا فلسنا بمضطرين إلى إدخالها على صورة لم تنقل عن أحد من العرب وتخرج بها عن منهاج كلامهم . وأما الجواب عن كلمات الكوفيين : أما قولهم : « إن النون الخفيفة مخففة من الثقيلة » قلنا : لا نسلم ، بل كل واحد منهما أصل في نفسه ، غير مأخوذ من صاحبه ؛ فالنون الشديدة والخفيفة ، وإن اشتركا في التأكيد فهما متغايران في الحقيقة ، وكلتاهما لتأكيد الفعل ، وإخراجه عن الحال ، وإخلاصه للاستقبال ، والثقيلة آكد في هذا المعنى من الخفيفة . والذي يدل على أن الخفيفة ليست مخففة من الثقيلة أن الخفيفة تتغير في الوقف ، ويوقف عليها بالألف ، قال اللّه تعالى :
لَنَسْفَعاً بِالنَّاصِيَةِ
[ العلق : 15 ] وقال تعالى :
لَيُسْجَنَنَّ وَلَيَكُوناً مِنَ الصَّاغِرِينَ
[ يوسف : 32 ] أجمع القرّاء على أن الوقف في هذين الموضعين
لَنَسْفَعاً
،
وَلَيَكُوناً
بالألف لا غير . وقال الشاعر : [ 409 ]
يحسبّه الجاهل ما لم يعلما * شيخا على كرسيّه معمّما
شرح
[ 409 ] هذان بيتان من مشطور الرجز لأبي الصمعاء مساور بن هند العبسي ، وهما من شواهد سيبويه ( 2 / 152 ) وابن يعيش في شرح المفصل ( ص 1241 ) ورضي الدين في باب نون التوكيد من شرح الكافية ، وشرحه البغدادي في الخزانة ( 4 / 569 ) وابن هشام في أوضح المسالك ( رقم 474 ) وابن عقيل ( رقم 317 ) وقد زعم الأعلم أن هذين البيتين في وصف جبل قد عمه الخصب ونما فيه النبات فجعله الراجز كشيخ مزمل في ثيابه معمم بعمامته ، وأنه خص الشيخ لوقاره في جلسته وحاجته للاستكثار من الثياب . وليس هذا الكلام بشيء ، بل البيتان في وصف وطب لبن قد علته رغوة اللبن وتكورت فوقه فأشبهت العمامة بدليل أن قبل البيتين قوله :وقد حلبن حيث كانت قيما * مثنى الوطاب ، والوطاب الزمما * وقمعا يكسى ثماما قشعما *قيما : هو - بضم القاف وتشديد الياء - جمع قائمة ، والقياس أن يقال : قوم - بالواو - لأن عين هذه الكلمة واو ، ومثنى الوطاب : أي المتكرر منه ، والوطاب : جمع وطب وهو سقاء اللبن خاصة ، والزمم : جمع زام ، وهو المملوء ، والقمع - بكسر القاف وفتح الميم - هو -
الإنصاف في مسائل الخلاف بين النحو البصريين والكوفيين — صفحة 538 | أبو البركات بن الأنباري