تخطي إلى المحتوى الرئيسي

الإنصاف في مسائل الخلاف بين النحو البصريين والكوفيين — صفحة 459

مساهمون:

ص٤٥٩
مظهرة ويرفع ما بعدها تشبيها لها بما ؛ لأنها تكون مع الفعل بعدها بمنزلة المصدر كما أن « ما » تكون مع الفعل بعدها بمنزلة المصدر ، ألا ترى أنك تقول « يعجبني أن تفعل » فيكون التقدير : يعجبني فعلك ، كما تقول « يعجبني ما تفعل » فيكون التقدير : يعجبني فعلك ، فلما أشبهتها من هذا الوجه شبّهت بها في ترك العمل ، وقد روى ابن مجاهد أنه قرىء ( لمن أراد أن يُتِمُّ الرضاعة ) بالرفع ، وقال الشاعر : [ 370 ]
يا صاحبيّ فدت نفسي نفوسكما * وحيثما كنتما لاقيتما رشدا
شرح
[ 370 ] قد استشهد بثالث هذه الأبيات ابن يعيش في شرح المفصل ( ص 925 ) وابن جني في شرح تصريف المازني ( 1 / 278 ) ورضي الدين في شرح الكافية ( 2 / 217 ) وشرحه البغدادي في الخزانة ( 2 / 559 ) وابن هشام في مغني اللبيب ( رقم 35 ) وفي أوضح المسالك ( رقم 493 ) والأشموني ( رقم 1011 ) وشرحه العيني ( 4 / 380 بهامش الخزانة ) وقال البغدادي « وهذه الأبيات الثلاثة قلما خلا عنها كتاب نحو ، ومع كثرة الاستعمال لم يعزها أحد إلى شاعر » وأنشد العيني وابن جني ثاني هذه الأبيات هكذا :إن تقضيا حاجة لي خفّ محملها * تستوجبا سنة عندي بها ويداومحل الاستشهاد بهذه الأبيات قوله « أن تقرآن » وقد اختلف العلماء في تخريج هذه الكلمة ؛ فذهب قوم - منهم الزمخشري وابن يعيش وتبعهما شراح الألفية - إلى أن « أن » هذه هي المصدرية التي تختص بالدخول على الفعل المضارع ، والتي ينصب بها عامة العرب ، ولكنها أهملت في هذا البيت ونحوه حملا على « ما » المصدرية أختها ، لاشتراكهما في معنى المصدرية وفي أن كل واحدة منهما تسبك ما بعدها بمصدر ، وادّعى جماعة - منهم ابن يعيش - أن إهمال « أن » المصدرية لغة لجماعة من العرب ، قال : « على أن من العرب من يلغي عمل أن تشبيها بما ، وعلى هذا قرأ بعضهم ( لمن أراد أن يُتِمُّ الرضاعة ) بالرفع » اه . وذهب جماعة - منهم أبو علي الفارسي وابن جني - إلى أن « أن » ههنا مخففة من الثقيلة ، وليست هي المصدرية المختصة بالفعل المضارع ، وكان من حق العربية على الشاعر أن يفصل بين « أن » والفعل بالسين أو بسوف أو بقد ، كما في قوله تعالى :عَلِمَ أَنْ سَيَكُونُ مِنْكُمْ مَرْضىوقوله :عَلِمَ أَنْ لَنْ تُحْصُوهُوقوله :وَنَعْلَمَ أَنْ قَدْ صَدَقْتَناولكنه ترك الفصل حين اضطر لإقامة الوزن ، قال ابن جني في شرح التصريف ( 1 / 278 ) « سألت أبا علي عن ثبات النون في تقرآن بعد أن ، فقال : أن مخففة من الثقيلة ، وأولاها الفعل بلا فصل للضرورة ، فهذا أيضا من الشاذ عن القياس والاستعمال جميعا » اه . وجعل ابن هشام القول بأن « أن » هي المخففة من الثقيلة قول الكوفيين ، والقول بأنها المصدرية أهملت حملا على ما قول البصريين ، قال في مغني اللبيب ( ص 30 بتحقيقنا ) « وقد يرفع الفعل بعد أن ، كقراءة ابن محصين ( لمن أراد أن يُتِمُّ الرضاعة ) وقول الشاعر :أن تقرآن على أسماء ويحكما * مني السّلام وألا تشعرا أحداوزعم الكوفيون أن أن هذه هي المخففة من الثقيلة شذ اتصالها بالفعل ، والصواب قول البصريين إنها أن الناصبة أهملت حملا على ما أختها المصدرية » اه .