تخطي إلى المحتوى الرئيسي

الإنصاف في مسائل الخلاف بين النحو البصريين والكوفيين — صفحة 462

مساهمون:

ص٤٦٢
سائر ما في القرآن من هذا النحو ؛ فأما الحديث « 1 » « كاد الفقر أن يكون كفرا » فإن صح فزيادة « أن » من كلام الراوي ، لا من كلامه عليه السّلام ؛ لأنه صلوات اللّه عليه أفصح من نطق بالضاد . والوجه الثاني : أن يكون أراد بقوله « بعد ما كدت أفعله » بعد ما كدت أفعلها - يعني الخصلة . فحذف الألف وألقى فتحة الهاء على ما قبلها ، وهذا التأويل في هذا البيت حكاه أبو عثمان عن أبي محمد التوزي عن الفراء من أصحابكم ، كما حكي أن بعض العرب قتل رجلا يقال له مرقمة وقد كلفه وآخر أن [ 235 ] يبتلعا جردان الحمار « 2 » فامتنعا فقتل مرقمة ، فقال الآخر « طاح مرقمه » فقال له القاتل : « وأنت إن لم تلقمه » يريد : تلقمها ، فحذف الألف وألقى حركة الهاء على الميم ، وكما قال الشاعر : [ 372 ]
فإنّي قد رأيت بدار قومي * نوائب كنت في لخم أخافه
يريد « أخافها » فحذف الألف وألقى حركة الهاء على الفاء ، وهي لغة لخم ، وحكى أصحابكم « نحن جئناك به » أي جئناك بها ، فحذف الألف وألقى حركة الهاء على الباء ، فكذلك هاهنا . والوجه الأولى أوجه الوجهين ؛ لأنه يحتمل أن يكون التقدير في قوله :
شرح
[ 372 ] النوائب : جمع نائبة ، وأصلها اسم الفاعل من « نابه ينوبه » إذا نزل به وعرض له ، ثم أطلقوا النائبة على ما ينزل بالمرء من الحوادث والمصائب والمهمات ، وفي حديث خيبر « قسمها نصفين : نصفا لنوائبه وحاجاته ، ونصفا بين المسلمين » ومحل الاستشهاد بهذا البيت قوله « أخافه » بفتح الفاء وسكون الهاء - فإن أصل هذه الكلمة « أخافها » بضم الفاء وبضمير المؤنثة العائد إلى « نوائب » فأراد الشاعر الوقف بنقل الحركة ، فحذف الألف ، ثم ألقى حركة الهاء على الفاء بعد أن أسقط حركة الفاء الأصلية ، على مثل ما ذكرناه في شرح المثل السابق .
هامش
( 1 ) في ر « فأما من الحديث » وظاهر أن لفظ « من » مقحم . ( 2 ) ارجع إلى مجمع الأمثال للميداني ( المثل رقم 568 بتحقيقنا « أبخل من ما در » ) فقد روى القصة وخرج الكلمة التي خرجها المؤلف . ونظيره ما حكوه من قولهم « بالفضل ذو فضلكم اللّه به ، والكرامة ذات أكرمكم اللّه به » بفتح الباء في « به » الثانية وسكون الهاء ( وانظر أوضح المسالك في الكلام على ذو الموصولة ) وقد روى هذه العبارة الفراء ينسبها لأعرابي من طيّىء ، وتخريج « به » الثانية أن أصلها « بها » بباء الجر المكسورة وضمير المؤنثة الغائبة العائد إلى الكرامة ، وقد ألقى حركة الهاء - وهي الفتحة - على باء الجر بعد سلب حركة الباء ، ثم حذف ألف « ها » ووقف بالسكون .
الإنصاف في مسائل الخلاف بين النحو البصريين والكوفيين — صفحة 462 | أبو البركات بن الأنباري