تخطي إلى المحتوى الرئيسي

الإنصاف في مسائل الخلاف بين النحو البصريين والكوفيين — صفحة 328

مساهمون:

ص٣٢٨
في « أسنتوا » إلا في خلاف الخصب ، ولا يقال « تالرحمن » « 1 » ولا « تالرحيم » وكما أن ما حكاه أبو الحسن الأخفش من قوله « تربّي » لا يدل على جوازه لشذوذه وقلته ؛ فكذلك قولهم « أللّه لأفعلن » لا يدل على جوازه في غيره ، واختصاص هذا الاسم بهذا الحكم كاختصاص « لات » بحين ، و « لدن » بغدوة ، و « جاءت » بحاجتك في قولهم « ما جاءت حاجتك » فإن لات لا تعمل إلّا في الحين ، ولدن لا تنصب إلا غدوة ، وجاءت لا تنصب إلا حاجتك ، كأنهم قالوا : ما صارت حاجتك ، أو كانت حاجتك ، وأدخلوا التاء على ما « 2 » إذ كان ما هو الحاجة كما قال بعضهم « من كانت أمّك » فنصب الأم وأنث من حيث أوقعها على مؤنث ؛ ولأن هذا الاسم علم فجاز أن يختص بما لا يكون في غيره ؛ لأن الأسماء الأعلام كثيرا ما يعدل ببعضها عن قياس الكلام ، ألا ترى أنهم قالوا « موهب ، ومورق » ففتحوا العين وقياسها أن تكسر ، وكذلك قالوا : « حيوة » بالواو وإن كان قياسها أن تكون بالياء ، وكذلك قالوا « مزيد ، ومكوزة ، ومدين » فصححوا وإن كان القياس أن يعلوّا ؛ لأن ما كان من الأسماء على مفعل أو مفعل ؛ فإنه يعتل لمجيئة على وزن الفعل وفصل الميم له من أمثلته ، وكذلك [ 174 ] قالوا « محبب » بغير إدغام وإن كان القياس الإدغام ، وكذلك قالوا « العجّاج ، والحجّاج » بإمالة الألف وإن كان قياسها أن لا تمال ؛ لعدم شرط الإمالة من الياء والكسرة ، وهذا لأن من كلامهم أن يجعلوا الشيء في موضع على غير حاله في سائر الكلام : إما لكثرة الاستعمال ، أو تنبيه على أصل ، أو غير ذلك . وأما احتجاجهم بما حكى يونس أن من العرب من يقول « مررت برجل صالح إلا صالح فطالح » أي « إلا أكن مررت برجل صالح فقد مررت بطالح » قلنا : هذا لغة قليلة الاستعمال بعيدة عن القياس ؛ فلا يجوز أن يقاس عليها : أما قلتها في الاستعمال فظاهر ؛ لأن أكثر العرب لا تتكلم بها ، وإنما جاءت قليلة في لغة لبعض العرب ؛ وأما بعدها عن القياس فإنك تفتقر إلى إضمار أشياء ، وحكم الإضمار أن يكون شيئا واحدا ، ألا ترى أنك إذا قلت « مررت برجل صالح إلا صالح فطالح » تقديره : إلا أكن مررت بصالح [ فقد مررت بطالح ] فتفتقر إلى أشياء ، وذلك بعيد عن القياس ، وهذا شبيه بقول النحويين « ما مررت بزيد فكيف أخيه » ويقول الرجل : جئتك بدرهم ، فيقول المجيب « فهلا دينار » وهذا كله رديء لا تتكلم به العرب .
هامش
( 1 ) من النحاة من جوّز دخول التاء على « رب » مضافا للكعبة أو إلى ياء المتكلم فيقال « ترب الكعبة » ويقال « تربي لأفعلن » ومنهم من حكى دخولها على « الرحمن » فيقال « تالرحمن » ومنهم من حكى دخولها على « حياتك » فيقال « تحياتك » وكل ذلك قليل أو نادر . ( 2 ) المراد أنهم أنثوا الفعل المسند إلى ضمير عائد إلى ما ، مراعاة لمعنى ما . وذلك أنهم قالوا « جاءت » بتاء التأنيث ؛ لأن في جاء ضميرا مستترا يعود إلى « ما » وما هي الحاجة ؛ لأن المبتدأ والخبر شيء واحد .